الثلاثاء، 29 أكتوبر 2024

رحلة السيد أبو العلا البشري بقلم علوي القاضي

رحلة السيد أبو العلا البشري 1
نقد وتحقيق : د/ علوي القاضي
... ليس هناك عاقل ينكر أهمية وقيمة العلم والعلماء في بناء الإنسان والمجتمعات والحضارات والأمم على مر العصور
... ولذلك قال الشاعر :
.. بالعلم والمال يبني الناس ملكهم***لن يبنى ملك على جهل وإقلال
.. العلم يرفع بيوتا لا عماد لها***والجهل يهدم بيوت العز والكرم
... وكان لوصية الإمام (علي بن أبي طالب) رضي الله عنه ل (كميل بن زياد النخعي) تلخيصا وتدقيقا وتوضيحا لأهمية العلم والعلماء وتفضيل العلم على المال 
... وقيمة العلم تكمل بفرعيه الأساسيين ، فهناك العلوم الدنيوية والعلوم الدينية بفروعهما المختلفة  
... عن (كُمَيْلِ بنِ زياد النخعي) قال : أخذ أمير المؤمنين (علي بن أبي طالب) رضي الله عنه بالكوفة بيدي ، فأخرجني حتى إنتهينا إلى ناحية الجبَّانةِ ، فلما أصحَرْنا جلَسَ ، ثم تنفَّس الصُّعداءَ ، ثم قال : ياكُمَيْلُ بنَ زيادٍ ، إن هذه القلوبَ أَوْعيةٌ ، فخيرُها أوعاها ، فاحفَظْ عني ماأقولُ لك : الناس ثلاثةٌ : (فعالمٌ ربَّانيٌّ ، ومتعلِّمٌ على سبيلِ النجاةٍ ، وهَمَجٌ رَعاعٌ أتباعُ كلِّ ناعقٍ ، مع كلِّ ريحٍ يميلون ، لم يَسْتَضيئوا بنور العلم ، ولم يَلْجأوا إلى ركنٍ وثيقٍ) ، ياكُمَيْلُ ، العلمُ خيرٌ من المالِ ، العلمُ يَحرسُك وأنت تَحرُسُ المالَ ، والعِلمُ يزكو على الإنفاقِ ، والمالُ تَنقُصُه النفقةُ ، ومَنفعَةُ المالِ تزولُ بزوالِه ، يا كُمَيْلُ ، محبةُ العالمِ دينٌ يُدانُ بها ، العلم يُكسِبُ العالمَ الطاعةَ لربِّه في حياتِه ، وجميلَ الأُحدوثةِ بعدَ وفاتِه ، وصَنيعةُ المالِ تزولُ بزوالِه ، والعلمُ حاكمٌ والمالُ محكومٌ عليه ، يا كُمَيْلُ ، ماتَ خزَّانُ الأموالِ وهم أحياءٌ ، والعلماءُ باقون مابَقِيَ الدَّهرُ ، أعيانُهم مفقودةٌ ، وأمثالُهم في القلوبِ موجودةٌ ، هَا إنَّ ها هُنَا (وأشار بيدِه إلى صدرِه) لعلمًا جمًّا لو أَصَبْتُ له حَمَلَة ، ثم قال : بلى أصبْتُه لَقِنًا غيرَ مأمونٍ عليه ، يستعملُ آلة الدينِ للدنيا ، ويَستظهِرُ بحججِ اللهِ على أوليائِه ، وبنعمِه على عبادِه ، أو منقادًا لأهلِ الحقِّ لابصيرةَ له في أحنائه ، يَنْقدِحُ الشكُّ في قلبِه بأولِ عارضٍ من شبهةٍ ، لا إلى هؤلاء ، ولا إلى هؤلاء ، أو منهومًا باللذَّات ، سلسَ القياد للشهواتِ ، أو مغرمًا بجمعِ الأموال والادِّخار ، ليسَا من دعاة الدينِ في شيءٍ ، أقربُ شبهًا بهما الأنعامُ السائمةُ ، كذلك يموتُ العلم بموتِ حامليه ، ثم قال : اللهم بلَى ، لاتخلو الأرضُ من قائمٍ للهِ بحجةٍ إما ظاهرًا مشهورًا ، وإما خائفًا مغمورًا ، لئلا تبطُلَ حججُ اللهِ وبيّناتُه ، وكم وأين أولئك ؟! ، أولئك واللهِ هم الأقلُّون عددًا ، والأعظمون عند الله قدرًا ، بهم يدفع اللهُ عن حججِه ، حتى يؤدوها إلى نظرائِهم ، ويزرعوها في قلوب أشباهِهم ، هجَم بهم العلمُ على حقيقةِ الأمرِ ، فباشروا روحَ اليقين ، فاستسهلوا ، مااستَوْعَرَ منه المُتْرفُون ، وأَنِسُوا بما استَوْحَشَ منه الجاهلون ، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلَّقة بالمنظرِ الأعلى ، يا كميلُ ، أولئك خلفاءُ اللهِ في أرضِه ، ودعاتُه إلى دينِه ، هَاهْ ، هَاهْ شوقًا إلى رؤيتِهم ، وأستغفِرُ اللهَ لي ولك ، إذا شئت فقُمْ) 
... مما تقدم نخلص إلى نصيحة تكتب بماء الذهب ، كما قال الإمام على رضى الله عنه (العلم خير من المال ، فالعلم يحرسك وأنت تحرس المال ، نعم فالعلم يحرسك من الشيطان ، ومن النفس الأمارة بالسوء ، ومن غضب الله وسخطه عليك ، العلم يحرسك فتفعل مايأمرك به الله عز وجل ، وتنتهى عما نهاك الله عنه فيرضى عنك ، ويحرسك لتحيا حياة طيبة فى (الدنيا والبرزخ والٱخرة) ، ويحرسك فتعيش فى سعادة ، والعلم عبادة للقلب ، وهى الحياة الحقيقة للقلب الحى ، يحرسك من الشبهات والشهوات واللغو والكلام الفاحش والبذئ
... وإذا أجرينا مفاضلة بين العلم (النافع) والمال (عامة) نجد أن : العلم يحرسك وأنت تحرس المال ، العلم يزكو على الإنفاق والمال تنقصه النفقة ، العلم حاكم والمال محكوم عليه ، ومحبة العلم دين يدان بها ، (والمال ليس كذلك) ، العلم ميراث الأنبياء ، والمال ميراث الملوك والأغنياء ، والنفس تزكو بتحصيل العلم والحرص عليه ، الحرص على العلم والتعلم عين كمال العبد ، والحرص على المال وطلبه هو عين نقصه ، وهو يهلك الدين ، جميع الناس محتاجون إلى العالم في دينهم وليس صاحب المال ، العلم يُقَوِّي عند المرور على الصراط ، والمال يمنعه منه ، المال قد يحصل للكافر والمؤمن ، والعلم بالله وبدينه لاينتفع به ويحصل له إلا المؤمن الصادق ، حين الموت يترك الميت ماله وراءه ، والعلم يدخل معه في قبره ، لذة المال لذة وهمية أو بهيمية ، فقديفرح أحدهم بتكثير المال ، وهذه شهوة من الشهوات كشهوة النساء والبنين ، وقد لاينتفع به ولاينفقه ، ولكنه يفرح بزيادته حتى يصل مقادير لايمكن أن ينفقها مهما طال عمره ، العلم يكسب العالم الطاعة في حياته وجميل الأحدوثة بعد وفاته
... وإلى لقاء في الجزء الثاني إن قدر لنا ذلك وقدرت لنا الحياة
... تحياتي ...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

من شفاهِ نرجسةٍ بقلم حكمت نايف خولي

حكمت نايف خولي  من شفاهِ نرجسةٍ من شفاهِ نرجسةٍ والهةٍ رشفتُ خمرةَ الهوى .... نبيذاً معتَّقاً في وعاءٍ من نور ... نبيذاً مقدَّساً معطَّراً ب...