.. { ابن عزيزة وعزُّوز } رواية / رضا الحسيني ( 48 )
استطاع محفوظ أن يلفت إليه الأنظار خلال رحلة العودة بالترلة والتي استغرقت يوما كاملا ، فالحياة عند محفوظ ليست عادية ، فهو يعيشها بمنتهى التركيز أينما كان ، فهو يحمل في ذاكرته دوما كل مايعيشه ويعاصره من أحداث ، وهنا سأله أحدهم من ركاب الترلة العراقيين :
_ صحيح يا أخي ، هل فعلا السادات منع اللحمة عن الشعب بمصر ؟
_ لا يا أخي ، هو فقط منع الجزارين من الذبح والبيع وأجبرهم على إغلاق محلاتهم أربعين يوما ، حتى يسيطر على أسعار اللحوم التي وصل سعر الكيلو منها لجنيه ، وهو فوق طاقة الشعب
_ يعني السادات بيفكر في الشعب
_ السادات راجل ابن بلد زي مابنقول في مصر ، واحد من أسرة بسيطة جدا وبيحس بشعبه وبأهل بلده
_ بس غِلط لما اتفق على السلام مع إسرائيل
- _لو أنت عشت ماعاشه المصريون من ويلات الحروب خلال الفترة من 1948 وحتى 1973 ونتيجة الحروب دي على الشعب من كل شيء كنت هتغير رأيك ده ، إحنا كنا محتاجين ناخد فترة استراحة محارب نلتقط فيها أنفاسنا ، نعيد ترتيب بيتنا واقتصادنا وجيشنا وعيشتنا
_ والله كلامك صدق ، الناس بتكون تعبت فعلا إي والله، واحنا بنتكلم بشكل نظري لكن أنتم اللي بتعيشوا في فوهة المدفع طيلة الوقت
ولأن محفوظ يعود من رحلته خاوي الوفاض ماديا إلا أنه عاد مملوءا بهواء بغداد ، وتزاحم المشاهد الساحرة التي امتلأت بها عيونه وهو يتجول في أغلب أنحاء هذه المدينة الجميلة التي يعشقها ، فحقيبته الوحيدة التي يعود بها بداخلها الكثير من الذكريات التي عاشتها ملابسه في شوار بغداد
حين وصل محفوظ لعمَّان توجه لبيت أولاد خالة رفيقه عبد النبي ، الذي وجده قد عاد للقاهرة من قبله ، وأكثر مالفت انتباه محفوظ هنا هو بيع الخبز بالكيلو ، فوقف في الطابور واشترى نصف كيلو خبز وكان ذو مذاق جميل ، في رحلة الذهاب لم يستطع فعل ذلك لأنه كان في شهر رمضان وقتها ، واسترق سمعه لصوت وردة تردد أغنية لم يسمعها من قبل وهو المهتم بشدة بجمع تسجيلات أغانيها :
( دق الحبيب دقه فتحتله بابي وماقلتلوش لأ ) فأسرع لمحل التسجيلات وسأل الرجل الذي أخرج له شريط وردة فاشتراه محفوظ على الفور بدينارين ونصف وقتها ، والذي أدهش محفوظ في ذات الوقت هو أنه وجد الجنيه المصري له قيمة متغيرة في بلدين ، فالدينار العراقي وجده يساوي جنيهين ، والدينار الأردني وجده يساوي خمسة جنيهات ، ولانه ليس باقتصادي متخصص لم يفهم الأمر جيدا لكنه توقف عنده
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق