ذكريات داعبت فكري وظني
من أرشيف الذكريات : د/ علوي القاضي
... في يوم الخميس (٣١ مارس ١٩٧٧) ، كنت عائدا من القاهرة لزيارة الأهل ، وكان موعد عيد ميلادي قد وافق أمس (الأربعاء ٣٠ مارس) ، والأهم هو زيارة (أمي الحبيبة) ، ولكني لم أستطيع السفر ، فقد عم الحزن والزحام في شوارع القاهرة وتوقفت كل وسائل المواصلات ، بسبب تشييع جنازة (عبد الحليم حافظ) ، وتحولت شوارع القاهرة إلى كتلة بشرية متحركة ، وكأننا يوم الحشر ، حتى لم أستطع الخروج من المدينة الجامعية للسفر إلى مدينتي (سرس الليان ، المنوفية) ، وكنت وقتها أدرس بكلية طب (القصر العيني) ، وفي العادة كنت أسافر للأهل دون موعد سابق ، لعدم وجود هواتف نقالة في ذلك الوقت ، وأقرب سنترال في دار الحكمة بشارع القصر العيني ، كان دائما مكتظ عن آخره بأصوات البشر المختلطة بالدموع بين (إما مسافر أوعائد أوحاضر أوغائب أوعاشق أوضائع) ، وحينما كنت أنتظر مكالمتي لأمي على أحر من الجمر ، وأصرخ عندما ينادي موظف السويتش يا (سرس الليان أدخل كابينة ثلاثة ، وأُغلق باب الكابينة) ، وأثناء المكالمة كان قلبي ينتفض ، مخافة أن تنتهي مكالمتي لأمي ، ولم نكن أكملنا بعد كلامنا ، والنقود التي في جيبي لا تكفي لمكالمة جديدة
... لذلك صار سفري لمدينتي يأتي فجأة ، وبدون مقدمات ، لكن أمي (رحمها الله وطيب ثراها) ، كان لديها حاسة سادسة ، تستشعر بها قدومي ، فعندي قناعة أن هناك إتصال روحي بيننا حتى الٱن ، وكانت تقول لي دائما (كنت عارفة أنك ها تتعشى معانا الليلة) ، وتضحك من قلبها الطيب وهي تحتضنني ، وهي تعلم أنني من عشاق (المحشي) بكل أشكاله وأنواعه سواء (الباذنجان أو الكوسة أو الكرنب أو الطماطم أو ورق الخس أو ورق العنب) ، وكنت أساعد أمي في تجهيز الأدوات فقد كنت أعتلي (التكعيبة) لقطف ورق العنب ، وكنت أساعدها في مايسمى (تقميع البامية) وأنا طفل صغير ، وكنت آكل نصفها خضراء كما هي قبل طهيها ، لأني أحبها نية ، رغم معاناتي من أشواكها ، وفور وصولي منزلنا ، وبعد العناق المقدس ، وتقبيل يد أمي وبعد التحيات والسلامات ، قالت لي أمي (أكلك اللي بتحبه جاهز) ، فعرفت من دون أن تفصح ، أن (المحشي والبامية باللحمة) جاهزة و (الأرز المعمر) بالسمن البلدي ، وبالطبع رائحة الطعام في البيت ، تدل على عظمة الوليمة ، وبالتأكيد طبخ أمي كان يختلف تماما عن السبانخ و مايسمى بالطابخة السوداء ، التي نأكلها في المدينة الجامعية ، من يد عمي (شعبان) ، لكن وسط هذا الحوار الشهي ، كان أخي الأكبر (رحمه الله يجلس) على الكنبة متكئا كعادته ، ويرمقني من بعيد وهو مبتسم ، قال لي بصوت هاديء ، شُفت الناس عملوا إيه في جنازة عبد الحليم ، سألته عملوا إيه ؟! ، قال لي ، ملوا الدنيا بكاء وعويل ، وفيه بنات إنتحرت ورمت نفسها من البلكونات ، وناولني مجلة (المصور) ، وكانت عدد خاص عن تاريخ عبد الحليم الفني ، وصور من جنازته ، وبعض القصائد التي غناها ، مثل قصائد (كامل الشناوي) الثلاثة (حبيبها ، أنت قلبي ، لاتكذبي)
... (حبيبها ؛؛؛ ولم تزل تلقانى ، وتستبيح خداعي ، بلهفة فى اللقاءِ ، برجفة فى الوداعِ ؛؛؛ )
... (أنت قلبي ؛؛؛ كيف ياقلب ترتضي طعنة الغدر في خشوع ؛؛؛ وإنما خنجر أنت في الضلوع ؛؛؛ ، أنا في الظل أصطلي لفحة النار والهجير وضميري يشدني لهوى ماله ضمير ؛؛؛)
... (لا تكذبي ؛؛؛ إني رأيتكما معا ودع البكاء فقد كرهت الأدمع ؛؛؛ رأيت أنك كنت لي قيدا حرصت العمر ألا أكسره فكسرته ، ورأيت أنك كنت لي ذنبا سألت الله ألا يغفره فغفرته ؛؛؛)
... سبحان من أعطاه موهبة الصوت ، وهذه المقاطع من قصائد كامل الشناوي ، فمازلت أقول بأن (كامل الشناوي) ، حين يُلقي شِباكه في بحور الشعر العربي تتسابق الكلمات والمعاني لتكون في شرف استقبال شِباكه فلا تشعر أبداً أن (كامل الشناوي) قد بذل مجهودا لكي يفعل ذلك وتلك هي عظمة الموهبة وعبقريتها ، أن تفعل ما يعجز عنه غيرك ، فكامل الشناوي هو فارس القصيدة العربية بلا منازع
... رحم الله أبي ، ورحم الله أخي ، ورحم الله أمي ، وأسكنهم فسيح جناته
... تحياتى ...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق