المقبرة الجماعية
بقلم: ماهر اللطيف
حلّ الخراب، واستفحل الدمار، وغزا الموت المكان، وانبعثت الروائح الكريهة من كل حدب وصوب. صمتت الأفواه بعد أن تجاوزت مرحلة الحشرجة، وتصحّرت الأعين من الدموع كما تصحّر هذا البلد من كل مقومات الحياة. تآكل اللحم واندثر من كل جسد، حتى باتت معظم الأجساد هنا هياكل عظمية متحركة. تهاوت المباني تباعًا، واقتلعت الأشجار، وطلّق المكان كلّ اخضرار. عمّت المجاعة...
لم يعد يُسمع سوى صوت الحديد والنار، والبارود والقنابل، وقصف الطائرات، واستهداف الدبابات لكلّ ما يتحرّك على هذه الأرض التي اكتست باللون الأحمر في كل ركن، وسط تكدّس الجثث وتبعثرها، وتحلّلها، ونهشها من قِبل الكلاب السائبة، وأصوات أو شبه أصوات تتأتى من تحت ركام المباني التي تتهاوى لحظة بلحظة، ما إن تطالها صواريخ طائرات العدو التي تحلّق على ارتفاعات منخفضة، تستهدف ما بقي من رمق للحياة على هذه الرقعة الضيقة من الأرض، التي وإن ضاقت مساحةً، فإنها لا تُضاهى بقدسية نضال أهلها، وصبرهم، وكفاحهم.
ومع هذا كله، كانت "صابرة" اسمًا على مسمّى؛ تكابد، تحارب، تتحدّى، وتتحمّل جسدها المتهالك الذي لم يعد يُحسب من بين الأجساد. تصلّي، وتذكر الله كثيرًا، وتدعوه وتتضرّع إليه كلما مزّقت أمعاؤها ما بقي من جسدها، أو من هيكلها العظمي الذي أشرف على الهلاك. كانت تتجوّل يوميًا بين الأنقاض والجثث، تقفز فوقها وتتحاشى الدماء التي تسقي الأرض وتمنع عنها شبح الجفاف. تبحث عن فتات خبز أو حبّة قمح هنا أو هناك، تسدّ بها رمق جوعها الكافر.
تنظر في كلّ الاتجاهات، تلمس كل شيء ولا تخاف من شيء، بما أنها ميتة على كل حال، وإن كانت لا تزال تخفي بين عظامها تلك الروح التي لم تُزهق بعد. تتفقّد من تعرفهم، وتطمئنّ عليهم، وهم في حالٍ لا يختلف عن حالها. تفتّش عن قطرة ماء كيفما وجدت، تروي بها عطشها الذي طال، وتطفئ ظمأها الذي لم تعد تقوى عليه.
وها هي اليوم، بينما أذان الظهر يصدح من حنجرة مؤذّن نجا من الموت، بعد أن دُمّر معظم المساجد، ترى فجأة شابًّا في مقتبل العمر يتّكئ على بقايا حائط لبناية كانت يومًا شامخة تزيّن هذا المكان المنكوب. شاب نحيل مثلها، في العشرين من عمره، اغرورقت عيناه، شحب وجهه، ولم يعد يُرى منه سوى هيكل هزيل. حاول أن يبكي، فعجز عن ذرف دمعة واحدة. تأهّب للكلام، فخذلته حروفه. رفع يده لتسقط سريعًا.
اقتربت منه صابرة وقد شعرت بإحساس غريب. دقّ قلبها بسرعة، وارتعد هيكلها العظمي، وأحسّت برغبة في الطيران نحوه، الارتماء في حضنه، تقبيله، ومخاطبته ولو بالإشارات إن عجز الكلام.
أيكون حبيبها "جهاد"؟ فارسها الذي وعدها برغد العيش ورفاه المستقبل؟ شريكها الذي كان قاب قوسين أو أدنى من إعلان خطبته عليها، لولا اندلاع هذه الحرب اللعينة منذ ما يقارب السنتين؟
تقدّمت منه بخطى واثقة، وقد سيطرت عليها رغبة جارفة في الاطمئنان عليه. لاحظت أنه مبتور الساق اليمنى من الركبة، يستند إلى عكاز خشبي. لعبت به الحرب حتى غيّرت ملامحه تمامًا، لكن قلبها دلّها عليه، وتعرّفت إليه بنظراته الحزينة، وهيئته الكسيرة، ومحاولاته النهوض والاقتراب منها.
وبعد جهد جهيد، احتضنته كما احتضنها، بحثا عن الدموع فخذلتْهما. حاولا الحديث فخانتهما الطاقة. بقيا برهة يتشابكان الأصابع، ويتبادلان ما أمكن من مشاعر الشوق، والفُرقة، والحبّ...
تذكّرت صابرة كيف كانا يمرحان بين الحقول والجبال في سنوات مضت، يجريان، يحلمان، يخططان، يبنيان عالماً زاهرًا على مقاس آمالهما، وكانا ينتظران إعلان حبهما ومجيء جهاد لخطبتها.
بينما تذكّر هو كيف كان يتوسّل إلى ربه في كل صلاة أن يبارك في حبّهما، ويعمل ليلاً ونهارًا إلى جانب والده، وفي مقهى أحد الجيران، ليجمع ما يكفي لتلبية رغبات صابرة وآمالها.
استفاقا من لحظة الذكرى، تبادلا النظرات، وحاولا الحديث مجدّدًا، لكن العجز حال دون ذلك. فتواصلا بقلوب أنهكها الزمن. قالت صابرة:
فقدتُ عائلتي كلّها في قصف استهدف العمارة التي كنت أعيش فيها قبل أكثر من سنة. لم ينجُ من القصف سواي وطفلة – على ما أعتقد – فخسرتُ كل شيء، وأصبحتُ أفترش الأرض وأتغطّى بالسماء، أنتظر موتًا لم يأتِ بعد.
(بدقات قلب متثاقلة) وأنا أيضًا، فقدت معظم أحبّتي في سلسلة من الغارات، ونجوتُ بأعجوبة كل مرة. في القصف الأخير الذي استهدف خيامنا، أصبتُ بجروح، وفقدتُ ساقي. واحتفظتُ في المقابل بحقي في الحياة.
(وهي تئن وتتلوّى) لم يبقَ لي سواك بعد الله.
(مبتسمًا رغم الألم) وأنا كذلك...
وفجأة، سُمع دويّ قوي لطائرة حربية تحلّق فوق رأسيهما، ثم استهدفتهما بصاروخ هائل، أطاح ببقايا البناية...
فانضمّت جثّتان جديدتان إلى هذه الجثث المترامية في "المقبرة الجماعية" التي يشاهدها العالم كلّه، صامتًا، عاجزًا، غير قادر – أو غير راغب – في وقف هذه الممارسات اللا إنسانية بأي شكل من الأشكال.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق