شرود الذهن إبداع أم ضياع 1
بقلمي : د/ علوي القاضي
... التكنولوجيا جعلت عالمنا سريعا وملأته بالمشتتات ، فكثيرًا ما نجد أنفسنا حتى أطفالنا تسرح وتشرد ، وتنفلت أفكارنا من الواقع اللحظي الراهن ، فنغوص في ذكريات الماضي أو نُحلّق في إحتمالات المستقبل الخيالي ، لكن هل هذا الشرود مفيد أم مضر ؟! ، وهل يمكن إستثماره بدلًا من الوقوع في فوضاه ؟!
... شرود الذهن ، هو إنشغال العقل عن اللحظة الحالية ، بالإنغماس في أفكار داخلية لا ترتبط بواقع ما يدور حولنا ، قد يكون السبب القلق ، أو الخيال الواسع ، أو حتى الإجهاد الذهني
... ويكون الشرود ضارًّا عندما يصبح عادة يومية ، لما يسببه من ★ ضعف التركيز فيما نعمله ، ★ وتأخير إنجاز المهام بسبب التشتت ، ★ وزيادة القلق ، ★ والتفكير الزائد في أشياء لا نستطيع تغييرها ، ★ والإرهاق العقلي المستمر من التفكير غير المنظم ، ★ ويمنع الإنسان من أن يعيش لحظة الواقع ، ★ ويجعله ضحية للأفكار العشوائية ، ★ ويؤثر سلبًا على الصحة النفسية
... وعلى الجانب الٱخر يكون الشرود (مفيدًا) ، ★ لو أن الشرود معتدل ومحدود ، ★ ويكون مفتاحًا لـ (الإبداع) ، ★ ولأنه يساعد على حل المشكلات المعقدة دون وعي مباشر ، ★ ويفتح الباب لتوليد أفكار جديدة ، ★ ويتيح للعقل فرصة للتنفس والتجدد ، وهذا ما يسمّى (الشرود الإبداعي) ، وهو لحظة ينتقل فيها العقل إلى عالم الإحتمالات والخَلق والتجديد
... ويجب أن نوازن بين (الشرود) و (التركيز) ، للإستفادة منه بدون أن نغرق فيه ، ولذلك علينا إتباع الٱتي :
★ (الوعي باللحظة) ، بممارسة تمارين (الإنتباه للآن) حتى تلاحظ متى يشرُد عقلك
★ (خطط وقتك) ، وخصص وقتًا للشرود الإبداعي ووقتًا للتركيز الكامل
★ (تقنيات التركيز) ، مثل تقنية البومودورو (25 دقيقة عمل + 5 دقائق راحة)
★ (تفريغ الأفكار) ، عند تراكم الشرود أكتب ما يجول بخاطرك لتفريغ العقل
★ (إستراحات ذكية) ، قم بالسير خفيفا ، أو بالتنفس العميق ، لتجديد الذهن بين المهام
... لاتعتبر شرود الذهن (عدوًّا) لك ، بل إعتبره (صديقًا) إذا أحسنّت إستخدامه ، لأنه كالسفر داخل العقل ، ومفيد إن عرفت متى تذهب ومتى تعود ، فالعقل القوي ليس الذي لا يسرح ، بل الذي يعرف كيف يعود إلى تركيزه بسرعة
... أَجَمَلُ مَا فِي شُرُودِ الذَّهْنِ ، أَنَّهُ يُسَافِرُ بِكَ بَعِيدًا فِي رِحلَةٍ ذَاتَ زَمَنٍ قَصِيرٍ ، إلَى حَيْثُ يَتَمَنَّى الفُؤَادُ وَتَسْكُنُ الرُّوحُ وَتَطْمَئِنُّ
... شرود الذهن هو إنصاتٌ لـ (حديثٍ) داخلي ، حديث لا يسمعه أحدٌ سواك !
... وقال «جبران خليل جبران» (الإبتسامة وقت شرود الذهن لقاء من نوع آخر)
... شرود الذهن والسهو في الصلاة أمر يحدث للكثير منا ، ففي الحديث الشريف ، عن عثمان بن أبي العاص ، أنه أتى (النبي) صل ﷲ عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها علي ، فقال (النبي) صل ﷲ عليه وسلم ، (ذاك شيطان يقال له (خنزب) ، فإذا أحسسته فتعوّذ باللّٰه منه ، وانفث عن يسارك ثلاثاً ) ، قال : ففعلت ذلك فأذهبه ﷲ عني
... وإلى لقاء في الجزء الثاني
... تحياتي ...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق