تأبين على قارعة الطريق
كان يستيقظ قبل الفجر في سكون الليل ليفاجئ الشمس عند الضحى وينعم بصمت هادئ في مكانه المعزول .. كان يجاري الشمس في غطرسة تامة رغم الحرارة المفرطة وسط النهار .. وعند الأصيل ، يراوغ نجوم المساء ليرتاح في أماكن مظلمة لا يعرفها الا هو ، وهو يطارد الطرقات والكهوف ، ويفاجئ تغاريد الطيور النائمة .. يجري دون اتجاه يذكر ..
بشحمه الذي ينضح وشعره الحريري ، كان يبحث دوما عن طريقة يخفف بها عن نفسه .. يقضي يوما بأكمله وهو يجري وراء السراب ليمسح دموعه وينحني من جديد أمام نشوة النوم .. يفيق الليل بأكمله وينام النهار أوقاتا قليلة ..
كنت أحس بتعب ذكرياته عندما يستسلم لأفكار تعطر حلاوة بلاغة ماضيه .. كان يعلن عن وجوده دون مراسيم .. يغني ، ويدعو الناس ليقتبسوا أجمل تخيلاته البليدة .. يحثهم على مبادئه وهو يرقص على أزيز الرياح الشرقية من أجل لحن يرقى لأراضيه القاحلة .. كان يردد ألحان الشمس الحارقة المرسومة على ورقه النشاف .. كانت أوهامه وحركاته تزعجني .. يتبنى أفكارا تجعل كيانه ينبض بحياة أخرى .. أحمق يحلم .. ويبحث عن جمال أسمى لتتألق شريحة حياته في نعمة النعيم ..
في كل صباح ، كانت فروة رأسه تبدو رمادية وهو منقع في محلول الكحول .. وعندما يستيقظ ، كل الناس كانوا يواسونه بحكم أنه نجا من موت البارحة .. فتتلاشى الحمى على وجهه رغم آثار السكر البارزة عليه .. كان يغلب عليه سحر النبيذ ويشرب كل عقله .. وكانت رطوبة النسيم تداعب خاتمته كل يوم .. لكن ، قافية الخفقان الأخير لقلبه كانت تنعشه .. تضخ فيه شرابا ساخنا بذوق كرز غض ورائحة مسك لاذع ..
وذات يوم ، ما زلت أذكره ، كم كانت فرحة التأبين هادئة بقليل من النعناع على صدره : ارتاح الشهيد من طلقات الحياة المميتة ..
أحمد انعنيعة

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق