«®» ذكريات طبية «®»
عجائب القدر
من مذكراتي : د / علوي القاضي
... في بداية عملي ، رزق زميلي بطفلة مصابة بصفراء حديثي الولادة ، واستدعى الأمر دخولها المستشفى قسم الحضانات للعلاج الضوئي ونقل الدم
... وأثناء النوبتجية الساعة الرابعة فجرا ، وبينما كنت أزورها في قسم الحضّانات ، تبادلت المزاح مع أبيها ، وحضر طبيب الأطفال ، و سألني عن فصيلة دمي ، فأجبته (....) ، ثم سألته لماذا ؟! ، وبلا وعي جرّني من يدي إلى بنك الدم ، ثم قال للفني : (صحة الدكتور ممتازة لا تخف ، فصيلة دمه نادرة خذ منه ما تريد) ، وتم إجراء إختبار توافق دمي مع عينة دم محفوظة عنده (أيامها لم يكن هناك إجراء أبحاث فيروسات الكبد والإيدز) ، لهذا كان المريض يتلقى الدم فور التبرع به
... غرس الفني الإبرة الغليظة في وريدي ، ورأيت دمي الأحمر القاني يتدفق إلى الكيس ، ولكني لم أفهم القصة !
... عدت مع الطبيب إلى قسم الحضانات ، فرأيت طفلة رضيعة لونها باهت جدا كالليمون ، وجوارها تذكرة تحمل إسم (حياة) ، ورحت أراقب الممرضة وهي تُعلّق كيس الدم ، وتبدأ عملية نقله إلى هذا الجسد الصغير ، وأنا ألاحظ دمي يسري في هذا الجسد النحيل
... الآن صار من حقي أن أفهم ، فقال لي الطبيب : هذه الطفلة تعاني من حالة فقر دم متقدمة (أنيميا تكسيرية) ، كدنا نفقدها وكنت أبحث عن متبرع له نفس فصيلتها النادرة ، الحمد لله أنني وجدتك ، قلت ، كل هذا جميل ، ولكن أين أهلها ؟!
... أجاب الطبيب ، لا نعرف لقد تركوها واختفوا فقط أطلقوا عليها إسم (حياة)
... كانت الطفلة تقرقر وتنظر لنا بعينين زائغتين ، وبدأت صفرتها تزول تدريجيا ، حينها شعرت براحة نفسية لاتوصف ، على ما قدرني الله في إنقاذ حياة الطفلة ، فدمي عندي منه الكثير ، أما هي فيكفيها ربع لتر على الأكثر
... في اليوم التالي ، جاء زميلي ليتفقد إبنته الرضيعة ، زميلة (حياة) في الحضانة ، وجد أن (حياة) لوثت ثيابها ولم تجد الممرضات (كوافيل) ، فأخذن من (الكوافيل) التي اشتراها زميلي لإبنته
... مع الوقت ، صار لـ (حياة) نصيب في كل شيء : الكوافيل ، الرضعات ، الثياب ، والمال أيضًا لأن زميلي ترك للعاملات مالًا يشترين به ما تحتاج له ، من دواء أو ألبان (سبحان الله)
... لم يظهر أهل (حياة) قط ، لكنها صارت أختًا لإبنة زميلي ، وصار كل شيء يُقسم على الإثنتين
... صرت أندهش من (عجائب القدر) ، لم أعرف مصير (حياة) بعد ذلك ، لكني شعرت بهزة داخلي لا شك فيها : لماذا دخلتُ أنا الحضّانة في تلك الليلة وفي ذلك التوقيت ؟! ، لقد كنتُ مجرد سبب لتبقي هذه الرضيعة حيّة ، فالقدر هو الذي ساقني
... الله سبحانه هو الذي سخّرنا لها ، أنا وزميلي والممرضات وطبيب الأطفال ، إن إحتاجت دمًا ! ، يأتيها بلا مجهود منها ، وهي مستريحة هانئة ، وإن إحتاجت (كوافيل) ، تأتيها ببساطة
... هناك (قوة) أعظم وأكبر ترعى هذه الصغيرة ، وإلا كانت (حياة) فارقت الحياة
... دعوة لأن نتذكر تلك (القوة) الكامنة في الحب والعطف ، فالحب يسري في الإتجاهين ، وكما نمنح الحب للآخرين فإننا نتلقاه في نفس اللحظة
... وهناك القوة الربانية العليا التي تحمي الضعفاء وترعاهم ، بشرط ألا يزول الحب والرحمة من قلوب الآخرين
... تحياتي ...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق