الأحد، 7 سبتمبر 2025

رصاصتان في قلب الألف بقلم: ماهر اللطيف

رصاصتان في قلب الألف

بقلم: ماهر اللطيف

كانت تبكي بحرقة، تولول وتصيح بصوت متقطع يعتريه بُحّة وارتباك:
– "لماذا تركتِني يا أسرار؟ لماذا رحلتِ باكرًا وتركتِني بين أنياب هؤلاء المفترسين؟ قومي، عودي إلى حضني… لقد توقف الكون مع توقف قلبك عن الخفقان."

المكان غارق في الحزن، الناس محتشدون يواسون العائلة المنكوبة. وسط ذلك المشهد، جلست إصرار في زاوية مظلمة، تُجري اتصالات خلسة. تبحث عن مخرج، تحاول تدبير هروب أبرار وأمين قبل انكشاف أمرهما، تستغيث بقادتها كي يُرسلوا النجدة درءًا لخطر وشيك.

أما الحاج أحمد، فظل مسمّرًا في مكانه. عيناه جافتان، جسده مشلول، لم يذرف دمعة واحدة. سقط مغشيًا عليه، فحمله الحضور إلى كرسي يستند إليه حتى يخرج موكب دفن أسرار وينتهي هذا المشهد الدرامي التاريخي.

كانت أسرار ممددة على فراشها، تغرق في دمها. جسدها بارد، شاحب، يداها ورجلاها مطلوقتان بلا حراك. شعرها الأسود غطى مخدتها التي تحولت إلى بقعة حمراء بفعل الخرطوشة التي اخترقت جبينها وخرجت من مؤخرة رأسها. دمعة يتيمة بقيت على خدها، كأنها آخر شاهد على روح قاومت حتى اللحظة الأخيرة.

لكن… ما الذي حصل؟ ما سر هذا التعتيم والتشويق أيها الراوي ؟ من هم هؤلاء الذين تحوم حولهم الأسئلة؟ وما الرابط بينهم وبين الضحية؟ ولماذا تبدأ أسماؤهم جميعًا بحرف الألف؟

أسرار… فتاة العشرين ربيعًا. مثلها مثل إصرار وأبرار وأمين، جمعتهم دورة تكوينية في الإعلامية بإحدى الدول الأوروبية. عادوا بعدها إلى وطنهم، ليعملوا في شركة واحدة، وفي مكتب واحد. صدفة؟ ربما… أو قدر رسمته أيادٍ أخرى.
الحاج أحمد، والدها، موظف متقاعد، كرّس وقته للعبادة والعمل الخيري. أما أمينة، والدتها، فلم تكن ترى في الحياة ما يوازي حبها لابنتها الوحيدة.

لكن حرف "الألف" لم يكن صدفة. باستثناء أسرار ووالديها، اتخذ البقية أسماء حركية تبدأ بالألف، رمزًا لانتمائهم إلى "الفريق ألف"، أول فرق التجسس التي جنّدها البلد الأوروبي أثناء فترة التكوين. مهامهم كانت حساسة، وأوامر "الأعراف" نافذة: تقارير، خرائط، وثائق… كل ما ينهش أمن الوطن.

غير أن أسرار تمردت. ضميرها استيقظ، فرفضت تنفيذ التعليمات. تجاهلت أوامرهم، هددت بكشف المستور إن لم يُطلقوا سراحها. حاولوا ثنيها أولًا بالترهيب والإغراء، ثم بالكمائن: تشويه سمعتها في العمل، إلصاق العقوبات المالية بها، تصويرها صورًا خليعة وابتزازها. وفي النهاية، الاغتصاب. ورغم ذلك، لم تركع. بل عزمت أن تعترف بكل شيء صباح الغد في مركز الشرطة.

فكان القرار سريعًا من طرف القيادة العليا : التصفية قبل الفجر الجديد.
أُسلح أمين وأبرار بمسدسين وكاتمي صوت، وأسندت لإصرار مهمة الاستدراج، أعلمت أسرار أنها ستزورها مساءً لتقضي معها بعض الوقت. وقت الزيارة كان محددًا بعناية: صلاة العصر، حين يغيب الوالدان عن البيت.

زارتها إصرار – واسمها الحقيقي جميلة – وتبادلا الحديث. استحضرتا ذكريات التكوين والتجنيد، ذكرتا أمين – واصف اسمه الحقيقي – وأبرار – صفية اسمها – حين شكّلوا معًا مجموعة واحدة نالت استحسان القادة. لكن الخلاف مع أسرار قلب الموازين:

– "لا أفهم… ما الذي دفعك لهذه المغامرة؟" قالت إصرار.
– (مقاطعة بلطف) "قرار نهائي. فكرت طويلًا… حللت، نقدت، ولم أجد غيره."
– (بحدة) "وهل ستنفعك هذه الوطنية المفاجئة؟"
– (بابتسامة هادئة) "بلادي عزيزة، حتى لو استحال فيها العيش، حتى لو تبخرت الأحلام."

خرج الوالدان إلى المسجد. عندها أخرجت إصرار منديلاً مطليًا بمخدر، وضعته على وجه أسرار حتى غابت عن الوعي وهي تبكي وتقبلها من كل مكان - هي من تركت دموعها على خد الجثة - وتقول "سامحيني، لم تتركي لي الاختيار،وضعتيني بين المطرقة والسندان،فكان رحيلك أسلم للجميع ". فتحت الباب، دخل أمين وأبرار. أطلقت أبرار رصاصة في جبينها دون تردد ،أمين أخرى في قلبها بحرفية كبرى … رصاصتان اخترقتا قلب ومخ أسرار وقضتا على هذه المجموعة ووحدتها وتماسكها

لكن القدر لم يمهلهم. عاد الوالدان بسرعة، فاختبأ القتلة في غرفة جانبية، بينما أطلقت إصرار العنان لصوتها:
– "النجدة! لقد قتلوا روحي، أختي، حبيبتي أسرار!"

سقط الحاج أحمد، صُدم حتى فقد وعيه ( لم يكن يعلم بخيانة ابنته لوطنها تماما مثل زوجته) ولم يفهم ما يحدث .
امتلأ البيت بالناس بسرعة البرق، فأصبح الهروب مستحيلاً بالنسبة إلى الجاسوسين المختفيين.

 حاولت إصرار الاستنجاد بقادتها لإنقاذهم، لكن سبق السيف
 العدل. حضرت النيابة والشرطة والهياكل المختصة، فكّوا خيوط الجريمة، فضحوا دوافعها. نال لاحقا الخونة جزاءهم: الإعدام.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

حين يرسم القلب بوابة النور بقلم نور شاكر

حين يرسم القلب بوابة النور بقلم : نور شاكر  أحيانًا، لا يكون القيدُ حول قدميك من حديد، بل حول روحك  يثقلها وهمٌ يهمس في أذنك بأن الطريق مسدو...