بقلم/نشأت البسيوني
يمر الانسان بلحظة صامتة ينظر فيها الى نفسه كما لو كان ينظر الى شخص اخر يراجع تصرفاته القديمة وكلماته السابقة واختياراته التي كانت تبدو منطقية في وقتها ثم يبتسم بدهشة خفيفة كيف كنت افعل ذلك كيف كنت اقبل بهذا كيف كنت اركض خلف اشياء لم تكن تشبهني هذه الغربة لا تأتي فجأة بل تتسلل مع الوقت مع كل تجربة ومع كل خيبة ومع كل مرة تعلم فيها الانسان درسا لم يكن
يريد تعلمه حينها تبدأ المسافة تتسع بين ما كان عليه وما اصبح عليه ويبدأ الشعور الغريب بأن النسخة القديمة لم تعد صالحة للحياة الحالية في البدايات كان الانسان يعيش بدافع القرب يبحث عن الانتماء بأي ثمن ويتنازل احيانا عن حدوده حتى لا يفقد الاخرين ويظن ان التضحية الدائمة دليل حب وان الصمت المستمر حكمة لكن التجربة تفضح هذا الوهم وتعلمه ان بعض التنازلات لا
تبني علاقات بل تؤجل الانفجار حين يكبر الانسان داخليا تتغير معاييره لا يعود يقيس الناس بما يقولون بل بما يفعلون ولا يعود يمنح ثقته بسهولة ولا يسحبها باندفاع يصبح اكثر حذرا لا خوفا بل وعيا يعرف ان قلبه ليس ساحة مفتوحة لكل عابر الغربة عن النسخة القديمة مؤلمة لانها تعني الاعتراف باننا كنا اقل وعيا واكثر طيبة مما ينبغي لكنها ايضا علامة صحة لانها تعني اننا تعلمنا واننا
لم نبق في المكان نفسه رغم الراحة المزيفة التي كان يمنحها
مع هذه الغربة يتغير شكل العلاقات بعض الاسماء تسقط تلقائيا وبعض الوجوه تختفي دون خصام وبعض المساحات تفرغ دون ضجيج ويحل محلها هدوء غير معتاد لكنه مريح كأن الروح اخيرا تنفست بعد سنوات من الاختناق لا يعود الانسان يحن الى ما كان عليه بقدر ما يشعر بالامتنان لان تلك النسخة عبرت ونجت ومهدت
الطريق للنسخة الحالية التي تعرف حدودها وتعرف ماذا تريد وماذا لا تحتمل ومع مرور الوقت يكتشف الانسان ان هذه الغربة لم تكن انفصالا عن الذات بل اقترابا منها وان الابتعاد عن النسخة القديمة كان ضرورة للنمو لا خيانة للماضي وان كل تغيير موجع كان خطوة نحو اتزان اكثر صدقا وحين يلتقي الانسان بنفسه القديمة في ذاكرته لا يلومها ولا يسخر منها بل ينظر اليها بشفقة لطيفة وامتنان
صامت لانها حاولت بصدق واحبت بعمق وتحملت اكثر مما يجب حتى وصلت الى هذه اللحظة وهكذا تصبح الغربة عن النسخة التي كناها ليست خسارة بل نضجا حقيقيا ودليلا على ان الانسان لا يكبر بالسنوات وحدها بل بالتحولات الداخلية التي تجعله اقرب الى نفسه ولو ابتعد عن كل ما كان يعرفه من قبل
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق