السبت، 27 ديسمبر 2025

موسم الهجرة إلى عمّان بقلم أحمد عبيدات

موسم الهجرة إلى عمّان
حين تغرب الشمس على الزرقاء
لا تغرب وحدها،
تسحب خلفها تعب النهار
وتتركنا عراةً من الضوء.
نغلق دفاتر المدارس
كما تُغلق خزائن الذاكرة،
ونخرج…
لا كمسافرين،
بل كناجين مؤجَّلين،
نحمل أجسادنا إلى الحافلات
كأننا نحمل بقايا أنفسنا.
ركبٌ طويل من حديدٍ متعب،
مقاعده تشكو أكثر مما تحتمل،
وصوت المحرّك
كأنينٍ جماعي
يعلو فوق صمتنا.
نغادر مجمّع الزرقاء
لا مودّعين،
فالوجع لا يُودَّع،
والتعب لا يملك يدًا يلوّح بها.
نذهب إلى عمّان،
لا لأننا نحبّها،
بل لأننا نحتاج
إلى وهمٍ أكبر من واقعنا.
نصل الساحة الهاشمية
فنكتشف أن العالم لم ينتهِ،
بل انكسر
وتجمّع هنا.
وجوه بلا عدد،
تحمل خرائط محروقة،
وجوازات سفر صامتة،
وأسماءً تخجل من النطق.
الفلسطيني
يحمل الكويت في ذاكرته
كما يحمل المفتاح صدأ الأبواب.
العراقي
يجرّ حرب الخليج
كظلٍّ ثقيل.
المصري
ينفخ دخان سيجارته
كمن يختبر صبر الرئة.
السوري، اليمني، الليبي
كلهم يقفون
في طابور الزمن المكسور.
حتى الصيني، البنغالي، الباكستاني
جاؤوا من آخر الحلم،
ليكتشفوا أن الأرض
ضيّقة على الجميع.
الساحة الهاشمية
لم تعد ساحة،
بل جرنًا تُطحن فيه الأوطان،
وفنجان قهوة
سقطت فيه القارات
واختلطت بلا إذن.
اللغات تتصادم،
ثم تتعب،
ثم تتصافح.
الضحكات قصيرة،
كأنها تخاف أن تطول
فتنكسر.
كلّ واحدٍ
يُخفي وطنه
في جيب معطفٍ قديم،
ويُخرج أمله
على استحياء،
كطفلٍ يخاف الشارع.
العيون متعبة،
لكنها لا تزال تعرف
كيف تحدّق في الغد.
الفتيات العراقيات
يمشين فوق الحجارة
كأن الأرض تتذكّر الحروب
في كل خطوة،
ومع ذلك
لا ينكسر الإيقاع،
كأن الجسد يقول للتاريخ:
لن تكون النهاية هنا.
الشاي يُسكب
كأنه طقس نجاة،
والنرجيلة
تصعد كصلاة بلا كلمات،
وفي زوايا المقاهي
تجلس أوطانٌ صغيرة
تحاول أن تتذكّر
أسماءها.
ثم نغادر…
دائمًا نغادر.
إلى جبل اللويبدة،
حيث الأشجار
لم تفقد لغتها بعد.
دارة الفنون
كفكرة عن الخلاص،
والكينا والصنوبر
يشهدان أن الجذور
لا تموت بسهولة.
نجلس قرب السفارة الإيطالية
كأننا نراقب أوروبا من بعيد،
نسمع موسيقى
تُرمّم ما تكسّر في الداخل،
ونكتشف أن الخريف
ليس سقوطًا،
بل تمرينًا على البقاء.
وفي جبل الحسين
نمشي من دوّار الداخلية
إلى دوّار فراس،
الشارع طويل
كعمرٍ بلا استراحة.
الأسواق تلمع
وتتعب في الوقت ذاته،
الغبار يكتب تاريخه
على الواجهات،
والماضي
يمدّ يده إلى الحاضر
ولا يجد كفًّا ثابتة.
كنت أعرف عمّان
كما يعرف المنفي
تفاصيل منفاه.
من الشميساني
إلى الأزقّة المكتظّة،
من المقاهي
التي تحفظ أسماء روّادها،
إلى الأرصفة
التي تتآكل
تحت ثقل الخطوات.
هذه الهجرة اليومية
لم تكن انتقالًا
من مكانٍ إلى آخر،
بل دورانًا
في حلقة الوجع.
من حلمٍ مؤجَّل
إلى حلمٍ مؤجَّل،
ومن تعبٍ قديم
إلى تعبٍ أحدث.
ومع ذلك،
كنّا نحمل في صدورنا
أغنية صغيرة،
لا تُسمَع،
لكنها تقاوم.
أغنية
تشبه القمح
حين يواجه الريح،
وتقول،
بصوتٍ لا ينهار:
رغم كل شيء،
سنظلّ نزرع الأمل
في ترابٍ
لا يعترف باليأس.
من أوراقي: أحمد عبيدات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

قطرات الندى بقلم راتب كوبايا

قطرات الندى  قطرات الندى كما لو أنها؛ سرود على برود الخير موجود  والثلج ممدود على الأرض موعود  تذوب وعود  وتتلاشى عهود  لكنه؛ قنديل العمود ع...