الثلاثاء، 13 يناير 2026

وجاء المحتل بلا جيوش بقلم حنان أحمد الصادق الجوهري

وجاء المحتل بلا جيوش
********************
جاء المحتل هذه المرة بلا ضجيج
لم يأتِ عبر صفوف الجنود،
دخل من عقولٍ مفتوحة وقلوبٍ متعبة 
جاءناعمًا كاعتيادٍ لا يُقاوَم،
لم يرفع راية،
أسدل صمتًا كثيفًا،
صمتًا لا يُسمَع يستقرّ في الداخل ويُؤلم
هجم ونحن بلا دروع 
 مطمئنّون أكثر مما ينبغي.
استقبلناه بابتساماتٍ متعبة،
بعناقٍ فقد معناه،
وبتواصلٍ يكتفي بالحضور…
لكنه بلا روح
ولا يحمل منه سوى الاسم.
صار العالم بحجم شاشة،
والزمن وحداتٍ صغيرة تُقاس بالإشعارات،
وصارت الأرواح تُختصر في ومضة ضوء.
كل شيء متاح،
ولا شيء قريب.
و برغم كل هذا.. 
تنهض من الذاكرة صورٌ لا تزال دافئة،
كأنها لم تُمسّ بالبرد
بيوتٌ صغيرة،
لكنها تتّسع لكل الحب 
طاولات خشبية كانت تجمع القلوب
قبل أن تجمع الأجساد،
وضَحِكات لا تحتاج إلى توثيق
لا تعرف ذلك الفضاء الرقمي 
كي تكون حقيقية.
كنّا نعرف بعضنا بالصمت،
نفهم دون شرح،
ونتشارك الحزن كما نتشارك الخبز.
نتقاسم الصمت والكلام 
كنا نجلس على أرصفة الحياة
ونشعر أن العالم، رغم قسوته،
ما زال صالحًا للعيش
لأن أحدًا يرانا حقًا.
كان كل شيء ملموسًا،
لأن الروح كانت حاضرة.
نظرة واحدة كانت تكفي
لتقول ما تعجز عنه الكلمات،
كنا نعرف ان العناق لغة لا تترجم 
وأن الضحكة حين تحمل في القلب 
عمراً أطول 
حتى الليل،
حين يحضر بهدوئه،
كان يزيد الألفة
ولا يبتلعها.
أما اليوم،
فالقلوب تتواصل عبر الزجاج،
والضحكات تُستبدل برموز،
والعناق يُقاس بعدد العلامات الصفراء.
نحن قريبون…
لكن بلا دفء،
ومتصلون…
لكن بلا تلاقي.
ازدحم العالم،
وفرغ الإنسان.
اتّسعت المسافات الرقمية،
وضاقت المسافات الروحية.
صرنا نبحث عن الضوء
كي نثبت أننا موجودون،
ونسينا أن الوجود الحقيقي
يُقاس بما نشعر به،
ورغم ذلك،
في عمق هذا التيه،
تبقى الحقيقة واقفة،
هادئة، صبورة
الإنسان لا يُقهر
إلا إذا نسي جوهره.
ما زال الحبّ هناك،
ينتظر من يراه 
واللحظات تنتظر من يحررها
 من حصار الشاشات 
وما زال الدفء ممكنًا
حين نختار أن نكون حاضرين
فالقرب ليس تقنية،
بل نيّة،
وليس اتصالًا،
بل إصغاء.
نتذكّر نسيم الصباح
وهو يعبر شرفةً صغيرة بلا استئذان،
ورائحة الخبز
وهي تعلن دفء البيت قبل الكلام،
وضَحِكات الأطفال
التي كانت تملأ الجدران حياة.
أشياء بسيطة،
لكنها كانت تعلّمنا معنى الاكتمال.
وفي هذا الغياب الصاخب،
تظلّ الأرواح حيّة،
تنتظر اللقاء الذي يُرى،
والعناق الذي يُحَسّ،
والوقت الذي يمرّ ببطء
لكنه يترك في القلب أثرًا لا يُمحى.
وفي كل قلبٍ يشتاق للدفء،
يبقى الأمل يقظًا:
أن العودة ممكنة،
وأن الإنسان قادر
أن يلمس الآخر بصدق،
وأن يحبّ كما كان،
كما أرادته الحياة.
وحين تعود ابتسامةٌ حقيقية،
وتُسمَع ضحكةٌ من بعيد
فتُدفئ الداخل،
نعرف أن الحياة
ما زالت تعرف طريقها إلينا،
وأن القلوب،
حين تختار البساطة،
تنبت الحياة من جديد 
وتتنفس القلوب حريتها 
بعيدًا عن كل احتلال 
*******************
                بقلم :حنان أحمد الصادق الجوهري

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

قارعتُ ظِلاً بقلم علي الموصلي

قارعتُ ظِلاً  ّ:::::::::::::: قارعتُ ظِلاً مِن مدارك يا زُحل لي خان عُمراً كم خيالٍ قد قتل إختار عُنقي كي يُمّهِدَ مَقتلي وَزدادَ ضغطاً في ا...