حِوارٌ مَعَ مُتَكَبِّرٍ:
يا ابْنَ آدَمَ إلى مَتَى تَبْقَى في كِبْرِيائِكَ وَصَلَفِكَ، وَأَنْتَ خُلِقْتَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّار، وَمَهْما طالَ بِكَ الْعُمْرُ سَوْفَ تَرْجِعُ لِتُصْبِحَ كَذَرّاتِ الصَّلْصالِ يَدُوسُكَ مَنْ يَمْشِي عَلَى قَدَمَيْهِ. أوْ يَزْحَفُ عَلَى بَطْنِهِ، أو يَطِيرُ عَلَى جَناحَيْهِ، أوْ تَمْتَصُّ بَدَنَكَ جُذُوعُ الْأَشْجارِ.
فَلِمَ التَّطاوُلُ عَلَى زُمَلاءَ مِنْ طٍينَتِكَ، أوْ أَقَلَّ مِنْكَ خِلْقَةً، وَأَنْتَ تَعْلَمُ مَصيرَكَ وّنِهايَتَكَ.
اُنْظُرْ إلَى السَّماءِ في لَيْلَةٍ مُعْتِمَةٍ ماذا تَرَى؟
تَرَى شُهُبًا وَنَيازِكَ، وَتَرَى كُلَّ شِهابٍ يَجْرِي ساطِعًا ثُمَّ يَخْتَفي رَمادًا. والْأنْسانُ هَكَذا. يَمُرُّ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيا رَدْحًا مِنَ الزَّمَنِ ثُمَّ يَخْتَفي. قالَ الشّاعِرُ:
وَما الْمَرْءُ إلّا كَالشِّهابِ وَضَوْئِهِ
يَحُورُ رَمادًا بَعْدَ إذْ هُوَ ساطِعُ
فَحَذارِ حَذارِ مِنَ الْكِبْرِ فَإنَّكَ "لَنْ تَخْرُقَ الْأَرْضَ، وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولا.
أَيُّها الْمُتَعالي، وَأَنْتَ لا تَقْدِرُ عَلَى مُباهاةِ طائِرٍ مَهْما صَغُرَ، لا تَحْسَبَنَّ أَنَّنِي مِنْ سَبْخَةٍ وَأَنْتَ مِنْ فَرْقَدْ. أَنْتَ مِنَ الْهِيولي نَفْسِها فَما لَكَ تَتَبَخْتَرْ ؟
وَلا خَيْرَ في حُسْنِ الْجُسومِ وَطولِها
إذا لَم تَزِنْ حُسْنَ الْجُسُومِ عُقُولُ
الْمَرْءُ يُوزَنُ بِعَقْلِهِ وَعِلْمِهِ، لا بِطُولِهِ وَعَرْضِهِ، لَيْسَ هُناكَ بَشَرٌ بِوَزْنِ الْبَغِلِ أَوِ الْجَمَلِ اللَّذَيْنِ يَنْقادانِ لِأَضْعَفِ النّاسِِ.
لا بَأْسَ في الْقَوْمِ مِنْ طُولٍ وَمِنْ قِصَرٍ
جُسومُ الْبِغالِ وَأَحْلامُ الْعصافيرِ
وَاعْلَمْ أنَّ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ دَرَجا عَلَى الْقَمَرِ لَمْ يَكُونا عِمْلاقَيْنِ بَلْ مِنْ أَواسِطِ النّاسِ.
لا بَأسَ أنْ يَفٌتَخِرَ الْمَرْءُ بِعَقْلِهِ وَعٍلْمِهِ وَإنْجازِهِ وَقُدُراتِهِ. وَلا يَحٍقُّ لَهُ أَنْ يَعْلُوَ عَلَى النّاسِ بِعِظامِ أَبيهِ وَجَدِّهِ. هذا كانَ في الْقُرونِ الْماضِيَةِ، عِنْدَما كانَ التَّفَوُّقُ بِقُوَّةِ الذِّراعِ ، وَبِالشَّرَفِ الْمَوْرُوثِ كَما قالَ الْفَرَزْدَقُ لِجَريرٍ:
أُولاءِ آبائِي فَجِئْنِي بِمِثْلِهِمِ
إذا جَمَعَتْنا يا جَرِيرُ الْمَجامِعُ
فَغَلَبَهُ ابْنُ الْمُراغَةِ بِعَقْلِهِ وَعِلْمِهِ وَفَنِّهِ.
الْحَكِيمُ يَقولُ:
لا تَقُلْ أَصْلَي وَفَصْلي أَبَدًا
إنَّما أَصْلُ الْفَتَى ما قَدْ حَصَلْ
فَقيمَةُ الْإنْسانِ ما يُحْسِنُهُ قَلَّ أو كَثُرَ. وَقَدْ عَلَّمَتْنا اللُّغَةُ الْعَرَبِيَّةُ لَفْظَتَيْنِ حَرِيٌّ بِكُلِّ واحِدٍ مِنّا أَنْ يَعْرِفَهُما جَيِّدًا، هُما عِصامٍيٌّ وَعِظامٍيٌّ. الْأُولَى هِيَ الَّتي تَهُمُّنا، وَهِيَ الَّتي يَسُودُ بٍها الْإنْسانُ بِشَرَفِ نَفْسِهِ. وَيُقالُ إنْها تُنْسَبُ إلى عِصامٍ حاجِبِ النُّعْمانِ بنِ الْمُنْذِرِ مَلِكِ الْحِيرَةِ. والثّانِيَةُ يَسودُ بِها الْإنْسانُ بٍآبائِهِ.
وَفي هذا يَقُولُ الْمُتَنَبِّي:
لا بِقَوْمِي شَرُفْتُ بَلْ شَرُفُوا بِي
وَبِنَفْسِي فَخَرْتُ لا بِجُدُودِي
فَلِمَ التَّعالي عَلَى النّاسِ دُونَ زادٍ مِنْ عَقْلٍ وَمِنْ عِلْمٍ والشّاعِرُ يَقُولُ:
لَوْلا الْعُقُولُ لَكانَ أَدْنَى ضَيْغَمٍ
أَدْنَى إلى شَرَفٍ مِنَ الْإنْسانِ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق