الثلاثاء، 6 يناير 2026

خدعة البنية التحتية بقلم فتحية المسعودي

خدعة البنية التحتية
قطرات غيث تروي الأراضي الخصبة والمزارع، وتروي كذلك البشر والبهائم غيثا. 

طال انتظارها على مدار السنة، ليأتي ذلك اليوم الذي تجمعت فيه الغيوم شيئا فشيئا، وتحول اللون الرمادي إلى الأسود القاتم، بدأت أضواء البرق تجلب الأنظار إلى حين ارتفعت أصوات صواعق قوية.. فازدادت قطرات المطر حجما وكادت أن تكسر زجاج النافذة. 

خليل.. يرقب أشعة الضوء من فراشه.. أمسى ساهرا مع هيجان الطبيعة القوي، وكان النوم يداهمه من حين لآخر ليوقظه من جديد صوت رعد قوي، يجعله منخضا و مفزوعا، يضل فاتحا عينه لفترة طويلة، وهو يتنفس الصعداء، يحاول أن يستوعب ما يحدث حوله.. يرفع رأسه ليجد أن العاصفة قد هدأت قليلًا، وأن قطرات المطر قد خفت حدتها، ولكنها لا تزال تطرق زجاج النافذة بنغماتها الموسيقية.

انتابه حينها الفضول فنهض من فراشه متجها إلى النافذة ليعرف ما وراء هذه العاصفة القوية، فتح الستار فابتسم لما شاهد الليل قد أضاء قليلًا، وأن أشعة الضوء قد اخترقت الغيوم، ورسمت لوحة فنية رائعة على الأرض، بقي هناك لفترة يراقب الطبيعة، ويستمتع بجمالها، لكنه لم يكن يشعر بذلك الهدوء والسلام الداخلي الذي يأتي بعد العاصفة.

كان يحس بشيء غريب.

  لم يكن عليه إلا أن يردد في صمت، الحمد لله أنني سأنام مرتاحا مع أصوات قطرات المطر الخفيفة، إن النوم يصبح أهدأ مع صوت المياه.. أتقن غطائه وأغمض عينه، ولم ينم إلا ساعتين حتى استيقظ على منبه ساعته المضبوطة على وقت أذان الفجر، ففتح عينه على الفور ونهض بخفة من فراشه متجها نحو الحمام مؤديا فارضة الوضوء حتى يذهب إلى المسجد لإقامة صلاة الفجر، لكنه سمع أصوات غريبة تأتي من الخارج، فتعجب لذلك ونظر من النافذة حيث لم يكن يرى جيدا ما يحدث نظرا لأن التيار الكهربائي انقطع في الشارع.

 اتجه نحو رف في غرفته والتقط مصباحا يدوياً فصوبه نحو الشارع وإذا به يرى كلبا كبيرًا يجر جثة هامدة مبللة بالماء وملطخة بالأوحال.. صدم للمشهد، فصرخ مفزوعًا! وجرى نحو الغرفة ليلبس معطفه، ثم نزل على السلم مسرعاً، وكانت المفاجئة أن الكهرباء انقطعت داخل الإقامة قبل وصوله للأسفل.. وهو يحاول وصول الباب الخارجي حتى يستطيع الرؤية، تأوه وحمد الله قائلا: كم أنت كريم يارب لم يبقى لي إلا الطبق الأول وأصل إلى الخارج، وللأسف الشديد.. بعد ثواني وجد نفسه يسبح في نهر من المياه! وفور ذلك سمع صدى أصواتا غريبة! يا إلهي.. النجدة.. رب ارحمني.. وكانت الأصوات مختلفة، من بينها من ينادي على ابنه.. ومن ينادي على أباه.. ثم من ينادي باكيا على عائلته.

من حسن حظ خليل أنه كان يتقن السباحة فخرج عائما وهو مصدوم.. لا يدري ما حصل في هذا الوقت القصير من الليل، وصل إلى حافة الشارع حيث كانت شجرة عالية فتسلقها إلى أن وصل إلى الأعلى فتنفس الصعداء وهو يرتعش من الخوف والبرد، مضطربا مفزوعا لا يرى ولا يسمع شيئا غير جثث تطفو فوق الماء وصرخات استغاثة تملأ الأجواء. 

كانت المدينة تعاني من الفوضى، نتيجة البنية التحتية المتهالكة، حيث لم تستطيع تحمل قوة الفيضان.

 على إثر هذا الحديث المرعب، أصبحت شوارع المدينة نهرا من المياه الغزيرة، سيارات تطفو مثل الألعاب.. ضحايا كثيرة.. خسائر مادية وبشرية لا تحصى. 

للأسف الشديد!! كان هذايعكس إهمال المسؤولين للبنية التحتية، حيث استولوا على ميزانية الإصلاح والتطوير، فما إن سقطت أمطار قليلة حتى وقع فيضان حاد، والطامة الكبرى أن المدينة غير مستعدة لمواجهة هذه الكارثة.

 إلى متى الاستهتار بضحايا أبرياء تعبوا صراخا، لم يطلبوا شيئا غير العدالة والحياة الآمنة. 

فتحية المسعودي

المغرب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

فارسي بقلم مريم سدرا

فارسي هاهو فارسي  قد جاء  يجتاز المسافات  يزحزح بكفيه جبال الأوهام  يطلق سراح الجداول  في الوديان يحرر عصافير قلبي  من قبضة السجان يعلي رايا...