الثلاثاء، 3 فبراير 2026

الغبــاء البشــري «[10]» بقلم علوي القاضي

«[10]» الغبــاء البشــري «[10]»
(( الإستغباء ))
دراسة وتحليل : د/علوي القاضي .
... سؤال راودني ، هل من الذكاء أن تكون غبيا أحيانا ؟! ، نَعَمْ ، شيء جميل أَنْ تَكُونَ شخصًا ذكيًا ولماحًا ، لكنك تحتاجُ أحيانًا إلى التنكر خلفَ قِناع اللافَهم أو الغباء ، أوالحماقة ، ليخرِجك من الواقعَ ، ليس لأنك غبي ، أو تريد ذلك ، بل لأن ضريبة ذكائك قد تُكَلفُك الكثيرَ من مَشاهدَ قد تُحطم دواخِلك ودواخِل غيرك من مَشاعرَ جَميلة 
... فَمِنَ الذكاءِ أَنْ تَكُونَ غبياً في بعض المواقف ، التي قد تكون كفيلة بإنقاذك من حطام حياتك وحياة الٱخرين ، ويرى البعض أن التظاهر بالغباء وعدم مواجهة المواقف (ضعف) في الشخصية ، والبعض قد يراها (نِفاقا) وهَدْم للثقة ، والآخر يراها قمة (الذكاء) ، وأنا أرى أن (الإستغباء) فنّ يجب عليكَ أن تُتقنَهُ بذكاء ، وتحديد متى وكيف ومع من تستخدمه ؟! 
... قد يكون التظاهر بالغباء نفسيا صعب ، لأنه لا أحد يحتمل الشعور به أمام الأذكياء ، ولأن النفس البشرية تحُب الظهور والتباهي ، لكن تظاهرك بأنك غبي أو أبله ، يعد سلاح ذو حدين ، ففي بعض الأحيان يكون التغابي من الحكمة والحنكة ، وأحيانا يكون دهاءً وخبث ، فمن يستثمره بشكلٍ إيجابي ينتفع به ، لتجاوز كل العقبات والخلافات ، فممارسة الإستغباء الذكي ، من شأنه إمتصاص الغضب وإخماد الحقد الدفين وتقليص دائرة الناقمين والماكرين ، وأحيانًا نُجْبَر على الإستغباء أمام المخادعين والمنافقين الذين يُظْهِرونَ المحبة ويُخفونَ الكراهية والحقد ، فنُسايرهم ، ليس ضعفا منا ، بل لأنه لا يَحِيقُ المكرُ السَّيِّئُ إِلَّا بأَهلِهِ ، فأحيانا تَحدث لنا مواقف تُحتم علينا إستخدام الغباء ، رغمَ وضوح الأشياء أمامنا ، يقول الكاتب الألماني (كورت توشولسكي) ، (من الذكاء أن تمارس دور الغباء وتُظهر نفسك غبيًا أمام موقف ما ، وكأنك لا تفقه شيئًا) 
... إنَّ فن مُمارسة الإستغباء يُبعدنا عن الإستعلاء والتكبر والعُجُب والإنبهار بالذات  
... وقد تجلت هذه الفضيلة فيما ذكره (أفلاطون) في كتاب (محاكمة سقراط) ، أن سقراط كان يتجوّل في أثينا ، ويستوقف الناس ويحاورهم ، لا ليعلمهم بل ليسألهم ، سؤال الجاهل للعالم ، ويتظاهر بالغباء والبلاهة ويتدرج بأسئلته ، التي تحرّك الكَوامِن في عقل المقابل وينبهه إلى الثغرات في كلامه حتى يدرك بطريقة غير مباشرة سذاجته بنفسه ، وهذا ما أسمّوه الفلاسفة (سخرية سقراط)
... أخي إعلم بأن الذكاء هو أبرز الصفات التي عليك أن تُخفف من ظُهورها عموما ، وخاصة عندما تُظهر للآخرين أنهم أكثر ذكاءً منك وأنت بداخلك تستمتعُ بغبائهمُ الحقيقي ، وهذا يمنع أن تكونَ فريسة لكلِ من أراد أن يُوقع بك ، ويقلل حذرهم إتجاهك ، والإستغباء يصنع المعجزات 
... إن ممارسة الإستغباء الذكي ، ينفعنا في إعفائنا من التكليفات التي لا نريد القيام بها ، كذلك ، الإستغباء الذكي في الحياة الزوجية يضمن إستمرارها ، ففي بعض اللحظات نُلزم بالتنازل عن بعض القناعات ، أو الأفكار (ما لم تمس الثوابت) بتجاوز المشاكل والتغاضي عن جزء كبير من الأزمات والخلافات التي قد تُهدد حياتنا الزوجية ، حتى نسعد بحياة تُكَلِلُها زهور التوافق العاطفي تحت ظلال سنة الله ورسوله 
... وإنصحك ، أن لا تُقلل من مستوى ذكائك إلا عند الضرورة الملحة التي تفرض عليك إستخدم هذه الفنّ ، ولا بأس بأن تجعلهُ أسلوبًا لك خصوصًا حين يكون فيه (درء للمفاسد) بممارستك (فن الإستغباء) أفضل بكثير من (جَلبِكَ المنافع) بتظاهرك الذكاء ، وخاصَّة إن كانت هذه المنفعة شخصية
... تحياتي ...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

بوح الروح لطيفك بقلم عيسى نجيب حداد

بوح الروح لطيفك استهلتني بالقبل شفتاك لم تمهلني لفزعة محتواك بت أغدو على مشارف سقياك الثم من فوق الشفاه رقة محياك أنا طير مهاجر أترزق بالهجر...