(( الإستغباء ))
دراسة وتحليل : د/علوي القاضي .
... سؤال راودني ، هل من الذكاء أن تكون غبيا أحيانا ؟! ، نَعَمْ ، شيء جميل أَنْ تَكُونَ شخصًا ذكيًا ولماحًا ، لكنك تحتاجُ أحيانًا إلى التنكر خلفَ قِناع اللافَهم أو الغباء ، أوالحماقة ، ليخرِجك من الواقعَ ، ليس لأنك غبي ، أو تريد ذلك ، بل لأن ضريبة ذكائك قد تُكَلفُك الكثيرَ من مَشاهدَ قد تُحطم دواخِلك ودواخِل غيرك من مَشاعرَ جَميلة
... فَمِنَ الذكاءِ أَنْ تَكُونَ غبياً في بعض المواقف ، التي قد تكون كفيلة بإنقاذك من حطام حياتك وحياة الٱخرين ، ويرى البعض أن التظاهر بالغباء وعدم مواجهة المواقف (ضعف) في الشخصية ، والبعض قد يراها (نِفاقا) وهَدْم للثقة ، والآخر يراها قمة (الذكاء) ، وأنا أرى أن (الإستغباء) فنّ يجب عليكَ أن تُتقنَهُ بذكاء ، وتحديد متى وكيف ومع من تستخدمه ؟!
... قد يكون التظاهر بالغباء نفسيا صعب ، لأنه لا أحد يحتمل الشعور به أمام الأذكياء ، ولأن النفس البشرية تحُب الظهور والتباهي ، لكن تظاهرك بأنك غبي أو أبله ، يعد سلاح ذو حدين ، ففي بعض الأحيان يكون التغابي من الحكمة والحنكة ، وأحيانا يكون دهاءً وخبث ، فمن يستثمره بشكلٍ إيجابي ينتفع به ، لتجاوز كل العقبات والخلافات ، فممارسة الإستغباء الذكي ، من شأنه إمتصاص الغضب وإخماد الحقد الدفين وتقليص دائرة الناقمين والماكرين ، وأحيانًا نُجْبَر على الإستغباء أمام المخادعين والمنافقين الذين يُظْهِرونَ المحبة ويُخفونَ الكراهية والحقد ، فنُسايرهم ، ليس ضعفا منا ، بل لأنه لا يَحِيقُ المكرُ السَّيِّئُ إِلَّا بأَهلِهِ ، فأحيانا تَحدث لنا مواقف تُحتم علينا إستخدام الغباء ، رغمَ وضوح الأشياء أمامنا ، يقول الكاتب الألماني (كورت توشولسكي) ، (من الذكاء أن تمارس دور الغباء وتُظهر نفسك غبيًا أمام موقف ما ، وكأنك لا تفقه شيئًا)
... إنَّ فن مُمارسة الإستغباء يُبعدنا عن الإستعلاء والتكبر والعُجُب والإنبهار بالذات
... وقد تجلت هذه الفضيلة فيما ذكره (أفلاطون) في كتاب (محاكمة سقراط) ، أن سقراط كان يتجوّل في أثينا ، ويستوقف الناس ويحاورهم ، لا ليعلمهم بل ليسألهم ، سؤال الجاهل للعالم ، ويتظاهر بالغباء والبلاهة ويتدرج بأسئلته ، التي تحرّك الكَوامِن في عقل المقابل وينبهه إلى الثغرات في كلامه حتى يدرك بطريقة غير مباشرة سذاجته بنفسه ، وهذا ما أسمّوه الفلاسفة (سخرية سقراط)
... أخي إعلم بأن الذكاء هو أبرز الصفات التي عليك أن تُخفف من ظُهورها عموما ، وخاصة عندما تُظهر للآخرين أنهم أكثر ذكاءً منك وأنت بداخلك تستمتعُ بغبائهمُ الحقيقي ، وهذا يمنع أن تكونَ فريسة لكلِ من أراد أن يُوقع بك ، ويقلل حذرهم إتجاهك ، والإستغباء يصنع المعجزات
... إن ممارسة الإستغباء الذكي ، ينفعنا في إعفائنا من التكليفات التي لا نريد القيام بها ، كذلك ، الإستغباء الذكي في الحياة الزوجية يضمن إستمرارها ، ففي بعض اللحظات نُلزم بالتنازل عن بعض القناعات ، أو الأفكار (ما لم تمس الثوابت) بتجاوز المشاكل والتغاضي عن جزء كبير من الأزمات والخلافات التي قد تُهدد حياتنا الزوجية ، حتى نسعد بحياة تُكَلِلُها زهور التوافق العاطفي تحت ظلال سنة الله ورسوله
... وإنصحك ، أن لا تُقلل من مستوى ذكائك إلا عند الضرورة الملحة التي تفرض عليك إستخدم هذه الفنّ ، ولا بأس بأن تجعلهُ أسلوبًا لك خصوصًا حين يكون فيه (درء للمفاسد) بممارستك (فن الإستغباء) أفضل بكثير من (جَلبِكَ المنافع) بتظاهرك الذكاء ، وخاصَّة إن كانت هذه المنفعة شخصية
... تحياتي ...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق