في بعض الأحيان يجدر بنا النسيان واللامبالاة،
كنت سابقا للأحداث آنذاك.
مقتبسا مقولة (أنا أفكر إذا أنا موجود) فبالغت في الأمر، وأفرطت في التفكير، لدرجة أنني لم أعد أستطيع المقاومة، وكانت المآسي أقوى من حجم عقلي.
فبدأ صديقي الزهايمر يراوضني، حيث كان يمتلك ذكاءً خارقا في ولوج العقول الساهية، العائمة في بحر التفكير والتدقيق، لكن زيارته لي كانت مختلفة، كونه استطاع أن يبعد عني كل ما هو مؤذٍ ومؤلم، حارب القسوة لصالحي! وكان كفيلا أن يحملني إلى حيث الطفولة البريئة، لأصبح سعيدا أثناء مناداة أختي باسم أمي التي غادرت منذ سنوات إلى دار البقاء! طالبا منها خبز القمح الطازج الذي كانت تعجنه وتخبزه بكلتا يديها الطاهرتين، وقهوتها اللذيذة التي تفوح برائحة الصبا.
وأسرني أيضًا ذلك التعامل مع أبي.. على غرار كوني صديق الطفولة، وأنا أدلله وألعب معه بكل بساطة وعفوية.
مع الزهايمر.. الصديق الحميم!.. كنت أظل طول النهار أنتقل بين الشوارع والزقاق، إلى أن يعثروا علي في آخر النهار، بواسطة لافتة معلقة على عنقي، وأنا لا أبالي لما يحدث، حيث السعادة جعلتني لا أهتم بشيء، لكنهم كانوا جميعهم ضدي، كادوا يعيدونني لعقلي العنيد.
حين أعطوني أقراصا مضادة للمرض، محاولين إعادتي لنفس الجحيم! المرض المزمن، مرض المعاناة، مرض التفكير في أشياء لا تستحق.. أشياء تؤلم عقلي وجسدي! أكاد أجن بسبب تذكرها المستمر.
لكنني كنت ذكيًا رغم نسياني لذاتي! ما إن استوعبت الأمر، وفهمت أن القرص الذي أشربه له دور هام في معاناتي، حتى استعملت ذكائي على الفور، قبل فوات الأوان! وانتقالي إلى عالم المآسي والألم.
فأصبحت كلما حان موعد دوائي وقدموا لي القرص لأشربه، أتقبله شاكرا.. مدعيا أنني شربته، ثم أدخل الحمام على الفور لألتقطه من تحت لساني، وأرمي به في سلة المهملات!.
وما هي إلا أيام قليلة، حتى بلغت مرادي، بينما كان بيتنا يعم حزنا
وألما بسببي، كنت أنا في قمة سعادتي، مليئا بمشاعر الطفولة، من برائتها.. مرحها ونشاطها.. وراحتها النفسية.
كانوا يبكون ويتألمون.. وأنا أضحك، شارد الفكر أتمتم في صمت، وكأنني أقول: صديقي الزهايمر ما أجملك، لقد أدخلت علي السعادة.
إلى أن استيقظت في أحد الأيام على صوت عائلتي وأنا مستلقي على فراش المستشفى، وهم يرددون بفرح.. ألف مبروك.. لقد قمت بسلامة بعد عملية دماغك التي نجوت منها بأعجوبة، الحمد لله أنك استعدت عافيتك من جديد.
فوجئت كثيرًا لذلك، فصرخت بغضب! (حسبي الله ونعم الوكيل) في كل من ساهم في إعادتي إلى الدمار!.
ثم ابتسمت وأنا أتمتم في صمت، إياك والتخلي عني صديقي الزهايمر!، أنا في انتظارك.. عجل بانقاذي.
المسعودي فتحية
المغرب
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق