كانت سارة تحاول التوفيق بين عملها الشاق الذي يستنزف طاقتها الجسدية، وبين متطلبات المنزل التي لا ترحم. كانت تقف في مطبخها، يد تحمل الرضيع لتهدئه، ويد أخرى تحاول إعداد طعام يلملم شتات يومهم، بينما يتردد صدى صوت زوجها في أرجاء المكان كزمجرة رعد في سماءٍ ملبدة...
اسكتي هذا الرضيع، لا أستطيع النوم!.
لم تكن كلمات الزوج مجرد طلب، بل كانت جدار صمت يفصل بين معاناتها وبين أي أمل في المواساة. لم يكن يرى تعب عينيها، ولا انحناءة ظهرها من كثرة الحمل، ولا يده تمتد لتمسك الرضيع لدقائق، أو حتى لتقول كلمة طيبة تخفف من وطأة الحياة. كان الرضيع بالنسبة له مصدر إزعاج لا بد من إسكاته لضمان راحته، وكأن رعاية الحياة وتنشئة جيل جديد هي مهمة أحادية الجانب، تقع بالكامل على عاتقها هي.
حين يجن الليل، ويسدل الستار على يوم مليء بالركض والواجبات، كانت سارة تجد نفسها وحيدة في مواجهة صمت البيت وصرخات صغيرها. وفي كل مرة كان الرضيع ينتفض باكياً، كانت نظرات زوجها الضاربة في الجفاء تعيد إليها ذات الجملة القاسية:
اسكتي الرضيع.
كانت تنظر إلى طفلها، تمسح دموعه ودموعها تمتزج بدموعه، وتهمس لنفسها:
أنا أربّي رجلاً يا بني، لا يعرف معنى القسوة التي يمارسها والدك، سأعلمك أن الرجل هو السند، لا الزجر.
ذات ليلة، بلغ التعب ذروته. وضعت سلمى الرضيع في مهده، والتفتت إلى زوجها الذي كان يطالبها بالهدوء مجدداً. نظرت إليه بعيون أنهكها السهر، وقالت بصوت خافت لكنه مشحون بكل كبرياء المتعبات:
إن هذا الرضيع لا يبكي لأنني أريد ذلك، هو يبكي لأنه يحتاج إلى أمانٍ لم يجده في هذا البيت. وأنا لا أتعب لأنني أحب الشقاء، بل لأنني أحيي بيتاً لا يرى فيه أحدٌ تعبي. إذا كنت تريد الهدوء، فابحث عنه في رحمة قلبك، فالصمت لا يُشترى بالأوامر، بل يُصنع بالحب والمشاركة.
صمت الزوج، ليس اعترافاً بالخطأ، بل ذهولاً من أن "الآلة" التي كان يظنها لا تملك حق الاعتراض قد نطقت أخيراً.
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق