الاثنين، 13 يوليو 2026

غياب الحقيقة بقلم طواهري امحمد

غياب الحقيقة 

في عالم الأقنعة، تختفي الحقيقة وراء وجوه مزيفة، وعقول تكرر دون تفكير، شهادات تدرس ولا تناقش. الصمت أصبح من الفضيلة، والخوف حكمة، والتحذير قانونًا غير مكتوب. الناس ترتدي أقنعة مزيفة، ولم تعد نرى الأشياء والأسماء بوضوح.

جبان يتحدث عن البطولات، وخائن للعهود يتحدث عن الوفاء، وعاهرة الشوارع تشرح لك عن العفة، وبائع الكرامة يتغنى بالشرف، وظالم الناس يهددك بالدعاء. عالم مزيف، حيث تتعارض الأقوال مع الأفعال، وحيث يصبح الحديث عن الفضائل مجرد وسيلة للتجميل الاجتماعي أو لتحقيق مصالح شخصية.

في هذا العالم، نجد أنفسنا محاطين بأشخاص يرفعون شعارات جميلة، يتحدثون عن الأمانة وهم يمارسون الخداع، ويدعون إلى النزاهة وهم غارقون في عمق الفساد. يطالبون الآخرين بالالتزام بالقيم وهم أول من يتجاوزها عند أول اختبار حقيقي.

لكن ما هو السبب وراء هذه التناقضات؟ هل هو الخوف من الحقيقة؟ هل هو الرغبة في الحفاظ على المظاهر؟ أم هو شيء آخر؟ إنها أسئلة لا يمكن الإجابة عليها بسهولة، ولكن ما يمكننا قوله هو أن هذا العالم هو عالم من الأقنعة، حيث تختفي الحقيقة وراء وجوه مزيفة.

في قلب الحياة، نكتشف جوهرنا. كنت يومًا كأرض يلقى عليها صقيع الجليد، أتحمل ما لا يخصني، وأعيش حياة مثقلة بالشكوك وتسائل الحيرة والخوف. لكن خلال تجاربي مع بعض الناس، اكتشفت مدى انتشار الحسد والحقد والكذب، ورأيت كيف يمكن للبعض أن يتعاملوا بلا أخلاق، وأن يرتدوا أقنعة تخفي ضمائر مظلمة تتغير وجوههم على حساب رغبة طلب.

أكثر ما يجعلني أفتخر بنفسي أنني ما زلت أنظر إلى الناس بعين واحدة وقياس عادل، دون تمييز أو أحكام مسبقة. وقد تعلمت من الحياة دروسًا لا تقدر بثمن، أهمها حسن اختيار الشريك، والرفيق وبناء العلاقات الاجتماعية على أساس نبل الأخلاق وصدق الاحترام والثقة.

أدركت أيضًا أن الحياة تشبه رحلة في البحر؛ فلا يوجد سفينة تنجو دائما، لكن من يجيد قيادة سفينته يحافظ على نفسه مهما اشتدت العواصف. مشكلتي أنني كنت أرهق نفسي بمحاولة فهم كل التناقضات وتلك الصراعات التي يعيشها الإنسان في عالم أصبح أقل رحمة وأكثر قسوة.

أما اليوم، فأشعر بطمئنان وبراحة كبيرة بعدما أدركت قيمة وجوهر الحياة، وأهمية أن أحيط نفسي بأشخاص راقين يتعاملون بلطف وتقدير واحترام، وإنسانية. وكل موقف، سواء كان مؤلما أو سعيدا، علمني شيئا جديدا. لقد كانت التجارب القاسية مجرد مدرسة، صنعت مني إنسانا أكثر وعيًا وصلابة.

في النهاية، أجد أن الحياة هي رحلة اكتشاف، رحلة لتجميع القطع المتناثرة من الذات، ولإعادة بناء ما تم تدميره. إنها فرصة لإعادة اكتشاف القيم الحقيقية، ولإحياء الأمل في قلب الإنسان. فلا تكن مخدوعًا بالأقنعة، ولا تكن أسيرًا للتناقضات. كن حقيقيًا، كن صادقًا، وكن راقيًا. فالحياة قصيرة، فلا تضيعها في البحث عن الاوهام المختفية خلف الحقيقة، بل ابحث عن نفسك في قلب الحياة.

بقلم الأديب طواهري امحمد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

الروح و الزنابق بقلم سليمان نزال

الروح و الزنابق و ما كانت الروحُ لتفقد ولادتها الشجرية هي تمضي حين يحضر ُ كل شيء فيها   الزنابق زنابقها الخنادق خنادقها جسر ...