الأربعاء، 15 يوليو 2026

لقاء الشياطين ق.ق بقلم طارق الحلوانى

لقاء الشياطين ق.ق
▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎
من يوم ما خرجت على المعاش وأنا بلف بين المكاتب. ورقة تروح، وورقة تيجي، وختم ناقص، وتوقيع اتنقل من دور لدور. حتى رصيد الإجازات، اللى كنت فاكره أسهل حق آخده، بقى له لجنة وملف ومكاتبات.
زميل قال لي:
- روح لمحامي. هيرفع لك قضية، ولو اتحلت ياخد نسبته. إنت مش خسران حاجة.
قلت: أجرب.
وصلت قبل ميعاد المكتب بعشر دقايق.
الساعي كان بيفتح الشيش، ويعدل الكراسي، ويرش معطر جو يحاول يغطي ريحة السجاير البايتة. أول ما شافني قال:
- اتفضل يا فندم.. الأستاذ فى النيابة المسائية، وجاي على طول.
قعدت.
التكييف القديم فوق الباب كان صوته أعلى من برودته. كل شوية يفصل، ويرجع يشتغل بخبطة خفيفة. على الحائط شاشة تلفزيون صغيرة، مفتوحة على برنامج فتاوى. محدش كان منتبه له.
دخلت ست.
فى أواخر الثلاثينات، عباية سودا، طرحة لبني، شنطة كبيرة، ولبانة ما بطلتش تتحرك من ساعة ما قعدت. رمت نفسها على الكرسي المقابل، وطلعت الموبايل.
- أيوه يا أختى.. لا.. المرة دى خلاص.. طفح الكيل.. طلاق ونفقة وقايمة.. وأقسم بالله لأحبس أمه.. هو فاكر اللى عمله شوية؟.. خليها تنفعه الأمورة اللى اتجوزها.
قفلت المكالمة، ورمت الموبايل فى الشنطة بعصبية، وفضلت رجلها تخبط فى الأرض، واللبانة لسه بتدور يمين وشمال بين سنانها.
بعدها بدقايق دخل راجل.
قميص أبيض مكوى، بنطلون كحلى، ريحة برفان خفيفة، ودبلة جواز بتلمع فى إيده.
سلم على الساعي.
- الأستاذ لسه؟
- لسه يا فندم.
 اتفضل.
اختار أبعد كرسي عنها، وقعد يقلب فى موبايله.
خرج صوت المذيع من التلفزيون:
- معانا أم محمد من المنصورة.. اتفضلي يا حاجة.
قالت الست من سماعة التلفزيون:
- يا مولانا.. جوزى اتجوز عليا.. وأنا طالبة الطلاق.. عليا ذنب؟
رد الشيخ بهدوء:
- الزواج الثاني فى حد ذاته مباح، لكن لكل حالة ظروفها، والطلاق له أحكامه.
ساد المكتب صمت قصير.
بصت الست للشاشة، وكشرت، ثم نفخت اللبانة وطرقعتها.
- على الطلاق.. الشيخ ده بيألف!
ابتسم الرجل من غير ما يقصد.
التفتت إليه بسرعة.
- بتضحك على إيه؟
رفع عينه من الموبايل وقال بهدوء:
- ولا حاجة.. أصل مشايخ البرامج أوقات بيخرفوا.
ضحكت غصب عنها.
- عندك حق.. وكمان توقيته زى الزفت.
رجع بعينيه للموبايل.
سألته بعد لحظة:
- إنت جاى فى قضية؟
- أيوه.
- أسرة؟
هز كتفيه.
- للأسف.
نفخت اللبانة ببطء.
- شكلنا زى بعض.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
- ربنا يفكها عن الجميع.
سكتت ثوانى، وقالت:
- مراتك رافعة عليك إيه؟
تردد قليلا.
- خلع.
هزت رأسها فى بأسف.
- الستات بقوا صعبين.
ضحك.
- والرجالة؟
ردت بسرعة:
- فيهم اللى يستاهل الحرق.
ضحك الاثنان.
أحسست أن أول جدار بينهما وقع.
قالت:
- أنا بقى جوزى اتجوز عليا بعد خمستاشر سنة جواز.. كأنى ولا حاجة.
قال وهو ينظر للأرض:
- صعبة.
- صعبة إيه؟.. ده كسرنى ابن.....
أومأ برأسه.
- ربنا يعوضك.
سألته:
- وإنت.. مراتك طالبة الخلع ليه؟
تنهد.
- لو سألتيها هتقولك أنا أسوأ راجل فى الدنيا.. ولو سألتينى هقولك إنى استحملت كتير.
قالت وهى بتشوح بإيدها:
- أهو كله بيستحمل.
رد ضاحكا:
- واضح.
دخل الساعى شايل صينية عليها كوبايتين شاى.
وحط كوباية قدام كل واحد فيهم وكأنه عارف طلباتهم ، وبعدين بص نحيتى.
- حضرتك تشرب إيه؟
قلت :
- قهوة مظبوط.
كان نفسى فيها من ساعة ما خرجت معاش.
وخرج.
أمسكت هى كوبايتها وقالت :
- الأستاذ ده زحمة عنده على طول؟
قلت قبل أن يرد الرجل:
- شكله كده.
ابتسمت لى مجاملة، ثم رجعت إليه.
- أنا أول مرة أجى لمحامى.
قال:
- وأنا.. ونفسى تبقى آخر مرة.
قالت بحماس:
- يا رب.
بدأ الكلام يجر كلام.
مرة عن المحاكم.
ومرة عن الأسعار.
ومرة عن الأولاد.
وكانت كل حكاية تنتهى بجملة:
- أصل أنا اتظلمت.
ويرد الآخر:
- وأنا كمان.
كل واحد كان يحكى نصف الحكاية..
والنص التانى غايب.
بعد نص ساعة، لم يتبقى من الغضب الذى دخلت به المرأة إلا اللبانة.
أما الرجل، فقد اختفت التجاعيد التى كانت بين حاجبيه.
سمعتها بتضحك من قلبها وهى تقول:
- تصدق؟.. أول مرة أحكى لحد وأحس إنه فاهمنى.
ابتسم وقال:
- يمكن علشان كل واحد فينا مجروح بطريقته.
فى اللحظة نفسها خرج الساعى من غرفة الأستاذ.
نظر نحوى وقال:
- اتفضل يا فندم.. الأستاذ بينادى على حضرتك.
قمت من مكانى.
وقبل أن أدخل، التفت إليهما.
كانت المرأة تقول للرجل:
- استنى لما أحكيلك اللى عمله فيا يوم عيد جوازنا..
ومال بجسمه ناحيتها، كأنه يعرفها من سنين.
أغلقت الباب خلفى.
لم يأخذ الأمر أكثر من عشر دقائق.
راجع الأستاذ الأوراق، وسألنى عن تاريخ انتهاء خدمتى، وعدد أيام رصيد الإجازات، ثم كتب بيانات وطلب توكيل.
وقال:
- إن شاء الله خير.. أول ما ييجى الرد نبلغ حضرتك.
شكرته، وخرجت.
نزلت السلم.
عند أول بسطة، وضعت يدى فى جيبى.
الموبايل.
رجعت أجرى وأنا بلوم نفسى.
دفعت الباب بهدوء.
المكتب كان أهدى من الأول.
الكرسى زى ما هوه.
وتليفونى فوقه.
أخذته.
وفى اللحظة نفسها فتح باب غرفة الأستاذ.
خرجت المرأة أولا.
وقفت عند الباب، وعدلت طرحتها.
بعدها بدقايق خرج الرجل.
ابتسم لها.
- يلا؟
قالت وهى تفتح هاتفها:
- ثانية.. هات رقمك الأول.
ملاها الرقم.
رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
ابتسم.
- وصل.
قالت:
- ابقى طمنى عملت إيه.
- وإنتى كمان.
نزلا السلم جنبا إلى جنب، يتكلمان ويضحكان، حتى اختفى صوتهما.
وقفت لحظة أنظر إلى السلم.
تذكرت المكالمة التى بدأت بـ"والله لأحبس أمه"..
والرجل الذى دخل عابسا كأنه شايل الدنيا فوق كتافه.
التفت إلى الساعى.
كان يجمع أكواب الشاى، ويمسح الطاولة بنفس الهدوء الذى استقبلنا به.
قلت:
- شكلهما ارتاحوا لبعض.
رفع عينيه نحوى، وابتسم ابتسامة صغيرة.
وقال:
- بشتغل هنا من خمستاشر سنة...وهو بيرتب الكوبايات.
، كأنه بيكلم نفسه:
- كل اللى بيدخلوا المكتب ده بيبقوا متأكدين إنهم مظلومين..
سكت لحظة.
ثم قال:
- عمرى ما سمعت واحد قال: يمكن أنا كنت السبب.
أخذ الصينية، ودخل بها إلى الداخل.
أما أنا...
فنزلت السلم ببطء.
ولأول مرة منذ بدأت رحلة المعاش..
لم أكن أفكر فى رصيد الاجازات.

طارق الحلوانى
يونيو ٢٠٢٦

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

كارثة لغوية بقلم نور شاكر

كارثة لغوية  قصة قصيرة  بقلم: نور شاكر  في ممر كلية الهندسة بجامعة العلوم والتكنولوجيا، المزدحم بالطلاب والحركة، كان الأستاذ جهاد أستاذ اللغ...