الخميس، 6 أغسطس 2026

قصة قصيرة// غيمة لا تمطر بقلم اسعد الدلفي

قصة قصيرة// غيمة لا تمطر

كانت روحها تعيش على هامش السعادة، تغص بصمت كلما أبصرت قلبين ينسجان معاً رداءً من الوفاق؛ ففي صدرها كان يسكن شتاء طويل، وكل ائتلاف بشري كان يذكرها بجليد وحدتها. ومن هذا العفن الخفي الذي يغذي النفوس المريضة، انطلقت سموم وشايتها لصديقتها، بعد ان وصلتها معلومة, كحية تسعى في خفاء لتلدغ طمأنينة بريئة. 

همست لها بصوت يشبه حفيف الأوراق الميتة: إنه لا يحب سوى الوهم، ويتخذ من مشاعرك جسراً للهو، راقبيه جيداً فله موعد يخفيه عنك في ظهر هذا اليوم تحتضنه طاولات مطعم النعمان.

وفي ذات اللحظة، كان هو يصارع أقداراً اثقلت كاهله بعسر العيش، ضاقت به السبل حتى كادت روحه تختنق في زنزانة الحاجة، إلى أن ومض بصيص أمل يشبه شمعة في نفق مظلم؛ فقد جاءه أخيراً اتصال يزف إليه موعد مقابلة لعمل طال انتظاره. لم يكن العمل سوى وظيفة خلف شاشة، لإدارة الردود والتعليقات لصالح موقع إلكتروني تديره فتاة, اتخذت من صخب مطعم النعمان وهدوء المكان مكتباً مفتوحاً لإنجاز أعمالها. كان يدنو من تلك المقابلة بقلب يخفق بين طموح يخافه ويتمناه، ورهبة من ضياع آخر خيوط النجاة.

أما هي، فقد انقادت كالطير المذعور نحو شباك الوهم الذي نُسج لها. كانت خطواتها تترنح تحت وطأة غصة كادت تقطع نياط قلبها، وركضت نحو المطعم وكأنها تسعى لتأكيد إعدام سعادتها بيدها. وما إن وطئت قدماها المكان حتى استبقت دموعها كلماتها، فرأت ما ظنته عيناها خيانة صريحة، لتبدو الصورة أمامها كطعنة خنجر غارت في عمق الروح. انقضت نحو الطاولة كعاصفة هوجاء، ودموعها تنهمر غزيرة تروي حكاية انكسارها، فصرخت بصوت مزقه الألم: لماذا يا...؟ ولم تمنحه فرصة للتنفس، بل دارت على عقبيها هاربة من جحيم ما رأت، تاركة خلفها صدى صرختها يعبث بالمكان.

وقف مذهولاً، كمن صاعقة سقطت على رأسه، حاول جاهداً أن يلفظ حرفاً واحداً يرمم به جدار الحقيقة المنهار، لكن لسان حاله عجز عن النطق أمام هول المفاجأة. 
أما صاحبة العمل، فقد جلست في مكانها متسمرة، تعلك الدهشة ملامحها، وتتساءل في سريرتها عن هذا المشهد التراجيدي المفاجئ, الذي اقتحم عالمها البسيط كعاصفة هوجاء من العدم.

وباتت الحقيقة معلقة في الهواء كغيمة أثقلها المطر، لا هي هطلت ولا هي انقشعت، تترقب ريح الغيب لتعلم بأي الاتجاهين ستمضي الأقدار.

بقلم الكاتب اسعد الدلفي
الخميس 6 آب 2026
العراق – بغداد – باب المعظم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

وجع الأيام بقلم إسحاق قشاقش

(وجع الأيام) كم من الأيام بدوت متعباً والحياة أصبحت عليَّ تَصعب وجار الزمان للقضاء علينا ومن جهة لجهة بتنا نهرب قرانا كلها قد هدمت وجرفت ومن...