▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎
كان أبوه يخرج قبل أن تستيقظ الشمس.
يغسل وجهه بماء الحنفية البارد، ويرتدي قميصا باهتا تشبعت خيوطه برائحة الحديد والزيوت، ثم يوقظه برفق.
ـ اصحى يا بطل.
يفتح عينيه بصعوبة، فيجده يبتسم، يمسح على رأسه، ويقبله قبل أن يخرج.
ـ اسمع كلام أمك.. وأنا راجع هجيبلك حاجة حلوة.
لم يكن يعده بلعبة، ولا بحلوى فاخرة.
في الشتاء، يعود بكوز بطاطا ساخن، يتصاعد بخاره من جريدة قديمة، فيجلسان على عتبة البيت يقتسمانه، وينفخ الأب في القطعة قبل أن يناولها لابنه.
وفي الصيف، عادة ما يحمل عود قصب طويلا على كتفه، يثنيه على ركبته حتى ينكسر، ثم يقشره بأسنانه، ويقطعه قطعا صغيرة، يضع أولها في فم الصغير قبل أن يذوق هو شيئا.
كان الشتاء عنده يبدأ بكوز البطاطا..
وكان الصيف لا يأتي إلا ومعه عود القصب.
يظل واقفا عند الشباك يلوح لأبيه حتى يختفي آخر الزقاق، في الطريق المؤدي إلى المصنع.
كانت أمه تبدأ يومها بعده بقليل.
تتنقل بين بيوت الجارات، وتعود محملة بحكايات لا تنتهي، ثم تمسك بيده مع اقتراب الغروب.
ـ تعالى.. نتمشى شوية.
كان يفرح.
الطريق الترابي المؤدي إلى أطراف القرية كان بالنسبة إليه نزهة، لا يعرف أنها كانت موعدا.
كان الرجل ينتظرهما هناك.
ينحني إليه مبتسما، ويخرج من جيبه لوح شيكولاتة، أو عدة قطع بونبون مغلفة.
ـ خد يا حبيبي.
تتسع عيناه فرحا.
ثم تقول أمه:
ـ اقعد هنا.. هنرجع بسرعة.
يجلس فوق حجر كبير، يراقب أسراب العصافير وهي تعود إلى أعشاشها، بينما يختفي الاثنان خلف أشجار الجميز.
بعد دقائق يعودان.
كانا يبدوان كأنهما يسابقان آخر خيط من ضوء النهار.
سألها مرة:
ـ مين الراجل ده؟
ربتت على كتفه، وقالت مبتسمة:
ـ قريبي.. بس أوعى تقول لأبوك إننا شوفناه.. هو ما بيحبش قرايبي.
هز رأسه موافقا.
ووضع قطعة الشيكولاتة في فمه.
اختفى الرجل..
وجاء آخر.
ثم آخر.
كانت الوجوه تتغير..
أما الشيكولاتة والبونبون، فلم يتغيرا.
مرت شهور.
ولم تعد تخرج به كل مرة.
صار الرجال يأتون إلى البيت أثناء وجود أبيه في المصنع.
كانت تقف خلف الشباك، تراقب الزقاق، وحين تتأكد أن أباه ابتعد، ترفع يدها للرجل المنتظر في آخر الطريق.
بعد قليل..
طرقات خفيفة على الباب.
تسرع لتفتحه.
يدخل الرجل.
ثم يُغلق باب الغرفة.
في البداية، لم يكن يسمع إلا همسات متقطعة.
ثم ضحكة قصيرة.
ثم صمتا طويلا.
وحين يُفتح الباب...
كانت تخرج أولا.
تعدل شعرها أمام المرآة.
تسوي ثوبها براحتيها.
تمسح بقايا أحمر الشفاه من طرف فمها بطرف المنديل.
ثم تلتفت إليه، كأن شيئا لم يكن.
تمد يدها بلوح شيكولاتة جديد.
ـ خد.. ده ليك.
أما الرجل..
فكان يخرج مطأطئ الرأس، لا يلتفت إليه.
اقترب الصغير من باب الغرفة مرة.
ثم توقف.
كان الهواء خلف الباب أثقل من هواء البيت كله.
ورائحة لا تشبه رائحة الطعام، ولا الصابون، ولا العطر الذي تعرفه أمه، بقيت عالقة في المكان.
تراجع في صمت.
دون أن يفهم.
في المساء..
عاد أبوه يحمل كوز البطاطا الساخن.
جلس إلى جواره على العتبة.
شق ورقة الجريدة، ونفخ في البطاطا حتى بردت قليلا، ثم قسمها نصفين، وأعطاه الجزء الأكبر.
وربت على كتفه ضاحكا:
ـ الشقا والتعب طول النهار يهون علشانك.
ابتسم الصغير.
نظر إلى البطاطا في يده..
ثم إلى لوح الشيكولاتة المختبئ في جيبه.
ظل يتأملهما طويلا.
ولأول مرة...
لم يستطع أن يأكل الاثنين معا.
صارت أمه، كلما خرج الرجل من الغرفة، تراقب وجهه قبل أن تعطيه الشيكولاتة.
وكأنها تبحث في عينيه عن سر.
وكان هو يهز رأسه.
ويبتسم.
ويأخذها.
كانت تظن أنها ما زالت تخدعه..
بينما كان هو، كل يوم، يؤجل سؤالا صار يكبر معه..
لماذا كانت تطلب منه دائما ألا يخبر أباه؟
كبر..
وكبر معه السؤال.
ظل سنوات يقنع نفسه أن أمه كانت صادقة.
وأن الرجال أقاربها فعلا.
وأن الأولاد في الشارع يكذبون.
كان كلما سمع كلمة تؤذيها، يغضب ممن قالها، لا منها.
لكن السنوات كانت ترى ما لا يريد أن يراه.
بدأ يلاحظ أنها لا تتزين لأبيه.
كان يعود من المصنع فيجدها بثوب المنزل القديم، ورائحة البصل والثوم تسبقه من المطبخ.
أما في الأيام التي يأتي فيها أحد الرجال..
فتقف طويلا أمام المرآة.
تغير ثوبها.
تمشط شعرها بعناية.
وتضع عطرا لا تستعمله في غير تلك الأيام.
كان يراقبها في صمت.
ويحدث نفسه:
"يمكن الستات كلها بتعمل كده.."
ثم يعود فيقنع نفسه أنه أساء الظن.
في المدرسة..بدأت الكلمات تصبح أوضح.
لم يعد الأولاد يكتفون بالنظر إليه.
صاروا يتهامسون كلما مر.
وتوقفت بعض الأمهات عن السماح لأبنائهن باللعب معه.
كانت إحداهن تنادي ولدها من آخر الشارع:
ـ تعالى يا حبيبي.. سيبه.
لم يكن يفهم كل شيء..
لكنه كان يشعر أن شيئا يطارده.
شيئا لا يراه...
ويراه الجميع.
وفي يوم..
تشاجر مع ولد أكبر منه.
تبادلا الدفع والسباب.
وفجأة..
بصق الولد في وجهه، وصاح:
ـ روح اسأل أمك........ تعرفك مين أبوك!
تجمد في مكانه.
لم يرد.
عاد إلى البيت يعدو.
وقف أمام أمه.
ظل ينظر إليها طويلا.
كانت تعرف من عينيه أن شيئا انكسر.
اقتربت منه.
ربتت على كتفه.
وأخرجت من جيب مريلتها لوح شيكولاتة.
مدته إليه.
ظل ينظر إلى يدها..
ثم إلى الشيكولاتة.
ثم رفع عينيه إليها.
ـ هو الناس بيقولوا كده ليه؟
ارتبكت للحظة.
لكنها ابتسمت سريعا.
وضمته إلى صدرها.
ـ الناس وحشة.. متسمعش كلام حد.
ودست الشيكولاتة في جيبه.
عاد إلى غرفته.
تركها في جيبه حتى ذابت.
ولم يذق منها قطعة واحدة.
كانت تلك أول رشوة يفشل طعمها.
بعد شهور..
جاءهم خبر وفاة جده.
جلس أبوه صامتا.
لم يبكى، لكنه بدا أصغر من عمره.
أخرج حقيبة قديمة، وضع فيها جلبابين، ومصحفا صغيرا، وبعض الملابس، ثم جمع أبناءه.
احتضن الصغار.
ولما وصل إليه، شد على كتفه.
وقال مبتسما رغم حزنه:
ـ أنت راجل البيت.. لحد ما أرجع.
ظل يراقبه حتى اختفى آخر الزقاق، كما كان يفعل كل صباح.
لكن الطريق هذه المرة..
لم يكن إلى المصنع.
كان ذاهبا ليدفن أباه.
حل الليل.
نام إخوته سريعا.
أما هو...فبقي مستيقظا، لا يعرف لماذا.
سمع صوت المفتاح في يد أمه.
فتح عينيه قليلا.
رآها تتحرك على أطراف أصابعها.
فتحت الباب.
دخل رجل.
لم يتبادلا كلمة.
أغلقت الباب بهدوء.
ثم عادت إلى غرفة الأولاد.
وقفت فوقهم.
تأملت وجوههم واحدا واحدا.
عدلت الغطاء عن أخته الصغيرة.
وتوقفت عنده.
كاد قلبه يقفز من صدره، لكنه ظل مغمض العينين.
ظل يسمع أنفاسها حتى ابتعدت.
ثم..أغلقت باب غرفتها.
لم يتحرك.
ظل مستلقيا، وقد غادر النوم عينيه.
وصلته همسات متقطعة.
ثم ضحكة قصيرة.
ثم صرير سرير يعلو شيئا فشيئا. ثم شهقات متقطعة.
شعر أن الجدران تقترب منه.
قام في هدوء.
فتح جزءا من الشباك.
دخل هواء الليل البارد.
لكن الغرفة ظلت خانقة.
أغلق أذنيه بكفيه.
ومع ذلك..
ظل يسمع.
في تلك الليلة..
لم يعد يحاول أن يصدقها.
ولم يعد يحاول أن يكذب الناس.
في تلك الليلة..
انتهت طفولته.
عاد أبوه بعد أيام.
كان التعب ظاهرا في وجهه، ولحيته أطول مما اعتاد.
لكن ابتسامته بقيت كما هي.
فتح حقيبته.
وأخرج لوحين من عجوة بلدته.
ناول أحدهما لابنه.
وقال وهو يضحك:
ـ دي من بلد جدك.. كان يقول دايما: الحلو مش لازم يبقى غالي.
تناولها منه.
نظر إلى وجه أبيه طويلا.
ثم إلى قطعة العجوة في يده.
امتلأت عيناه بالدموع.
كان يريد أن يرتمي في حضنه.
أن يخبره بكل شيء.
أن يصرخ.
لكن الكلمات بقيت حبيسة حلقه.
ولأول مرة..
لم يمنعه الخوف من أمه.
بل من قلب أبيه.
مرت الشهور.
وانتهت إجراءات الميراث.
ورث أبوه عدة أفدنة من الأرض في بلدته.
تبدلت الأحوال.
انتقلوا إلى بيت أوسع.
امتلأ المطبخ بما لم يكن يعرفه من قبل.
وصارت المائدة أكثر كرما.
لكن شيئا واحدا..
لم يتغير.
كانت الشيكولاتة ما زالت تخرج من يد أمه..بعد كل زيارة.
وكان هو..
كلما وُلد أخ جديد، أو أخت جديدة..
يحمل المولود بين ذراعيه.
ينظر إلى ملامحه.
ثم يرفع عينيه نحو أبيه.
ويشيح بوجهه.
كان يقاوم شك تلك الليلة..
ليلة سفر أبيه لدفن جده..
كانت تعود كلما حاول أن يغفر.
مرت الأعوام..
وصار الصبي رجلا.
أما أبوه، فلم يتغير.
ما زال يستيقظ قبل الفجر، ويخرج إلى المصنع بالقميص نفسه الذي بهت لونه، والابتسامة نفسها التي لم تبخل بها الأيام.
وحين يعود، يسأل عنهم واحدا واحدا.
لم يكن يعرف كيف يعبر عن حبه بالكلام.
كان يفعله بالأشياء الصغيرة.
كوز بطاطا في ليلة باردة.
عود قصب في ظهيرة صيف.
أو طعام ساخن يقتسمه مع أولاده.
كان الابن يتأمله كل مساء.
ويتساءل:
كيف يستطيع رجل بهذه الطيبة أن يعيش كل هذا العمر دون أن يرى؟
كبر إخوته..
وكبر السؤال معهم.
كلما جلسوا إلى مائدة واحدة، راح يتأمل وجوههم.
عينان تشبهان أمه.
أنف يشبه رجلا رآه يوما عند باب البيت.
ابتسامة لا تشبه أحدا.
كان يهز رأسه بعنف.
ويوبخ نفسه.
ثم يعود إليه صوت صرير السرير وشقهات تلك الليلة..
فيعرف أن بعض الأصوات لا تموت.
رحل الأب في صباح شتوي.
رحل كما عاش..
هادئا.
وقف أهل الحي أمام البيت.
جاء زملاؤه من المصنع.
قال أحدهم:
ـ أربعين سنة شغل.. وعمره ما مد إيده لحد.
وقال آخر:
ـ كان راجلا يخجل الواحد من نفسه وهو واقف جنبه.
ظل يسمع كلماتهم.
وشعر أن كل كلمة تثقل صدره أكثر.
بعد انتهاء العزاء..
دخل غرفة أبيه.
أغلق الباب خلفه.
لأول مرة..
لم تكن الغرفة تنتظر صاحبها.
كانت نظارته فوق الكومودينو.
وساعته القديمة بجوارها.
والجلباب معلقا خلف الباب.
اقترب منه ببطء.
أمسكه بكلتا يديه.
ورفعه إلى وجهه.
ما زالت رائحة الحديد والعرق والصابون الرخيص تسكن القماش.
جلس على طرف السرير.
فتح الدولاب.
وجد ملفا كرتونيا قديما.
عقد ملكية الأرض التي ورثها عن أبيه.
إيصالات سداد أقساط البيت.
وشهادات ميلاد أبنائه..
مرتبة بعناية.
أخذ يقلبها واحدة تلو الأخرى.
كان اسم أبيه يتكرر في خانة واحدة..
الأب.
ارتعشت أصابعه.
أعاد الأوراق إلى مكانها.
ثم وجد صورة قديمة.
كان في السابعة من عمره، يجلس على كتفي أبيه، يضحكان معا، وخلفهما أرض الجد يوم ذهب معه لأول مرة بعد الميراث.
تذكر يومها..
حين قطع له أبوه عود قصب، وقال وهو يضحك:
ـ الحلو اللي ييجي من تعب.. طعمه أحلى من الشهد.
عندها..لم يستطع أن يتمالك نفسه.
جلس على الأرض.
وأجهش بالبكاء.
لم يكن يبكي لأنه مات..
بل لأنه عاش عمره كله مخلصا، ولم يعرف أن أقرب الناس إليه كانوا يسرقون منه أكثر من عمره..
يسرقون يقينه.
بدأت إجراءات تقسيم التركة.
الأرض..
والبيت..
وبعض المدخرات.
قال أحد الأقارب:
ـ الأول نطلع إعلام الوراثة.
هز رأسه.
وشعر أن الكلمات أثقل من الجبال.
في صباح الجلسة..
ارتدت أمه السواد.
بدت أصغر من ذنبها..
وأكبر من عمرها.
أما إخوته..
فكانوا يتحدثون عن الأرض.
هذا يريد أن يزرعها.
وذاك يريد أن يبيع نصيبه ليفتح مشروعا.
وكان يستمع إليهم..
ويشعر أنهم يتحدثون عن حياة لا يعرفون عنها شيئا.
دخلوا قاعة المحكمة.
وقفوا جميعا أمام القاضي.
أخذ الكاتب يثبت البيانات.
اسم المتوفى..
اسم الزوجة..
أسماء الأبناء.
ثم رفع القاضي رأسه.
وقال:
ـ هل هؤلاء هم الورثة الشرعيون للمرحوم.. وليس له وارث آخر؟
ساد الصمت.
رفع بصره.
فرأى أباه يخرج مع الفجر.
وعائدا يحمل كوز البطاطا.
ويضحك.
ثم رآه يقشر عود القصب بيديه المتشققتين.
ورأى أول شيكولاتة.
وأول باب أُغلق.
وأول رائحة خرجت من الغرفة.
ورأى أمه، في الليلة التي كان فيها أبوه يدفن أباه، تتسلل لتفتح الباب لذلك الرجل.
وسمع الطفل الذي كانه يوما يهمس:
"قول الحقيقة.."
ثم سمع صوتا آخر...
هادئا...
دافئا...
كما كان دائما.
"خليك راجل.."
رفع عينيه.
نظر إلى أمه.
لم ير فيها امرأة انتصرت...
بل امرأة خسرت نفسها منذ زمن.
ثم نظر إلى إخوته.
لم ير خصوما..
بل ضحايا، لم يختاروا أسماءهم، ولا الدم الذي يجري في عروقهم.
وأخيرا...
وقعت عيناه على ملف الميراث.
تذكر الأرض.
تذكر أن أباه كان يقول وهو ينظر إليها:
ـ الأرض دي هتفضل ستر لكم من بعدي.
لو نطق الآن..
فلن يعيد حقا إلى ميت.
لكنه سيهدم أسماء، وبيوتا، وأعمارا، ويزرع الشك في قلوب لم تعرف غير هذا الأب.
ابتلع غصته.
وقال بصوت ثابت:
ـ نعم..
هؤلاء هم جميع الورثة.
أطرق القاضي رأسه.
ووقّع الأوراق.
وانتهت الجلسة.
هم بالخروج وحده من قاعة المحكمة.
توقف عند الباب.
استدار.
كانت أمه جالسة في مكانها.
التقت عيناه بعينيها.
لم يقل شيئا.
ولم تقل هي شيئا.
لكنها فهمت.
فهمت من نظرته أن الكلمة التي لم ينطق بها كانت أثقل من كل ما يمكن أن يقوله:
أمي.. الخائنة.
رآها تنظر إليه، كأنها تبحث في وجهه عن الطفل القديم.
ذلك الطفل الذي كانت تشتري صمته بلوح شيكولاتة.
لم تجده.
وجدت رجلا يعرف.
رجلا عرف أنها لم تخن زوجها وحده..
بل خانت الرجل الذي أفنى عمره من أجلها ومن أجل أبنائه، وترك لها بيته وستره وأمانه، ومات وهو يظن أن ما جمعه طوال عمره سيبقى لهم.
كانت دموعها قد بدأت تنزل.
دموع لم يعرف هل هي ندم.. أم خوف.. أم خسارة آخر شيء بقي لها.
احترام ابنها.
نظر إليها لحظة أخرى.
لم يكن في عينيه غضب.
كان فيهما شيء أشد قسوة.
الشفقة.
شفقة رجل ينظر إلى امرأة أضاعت نفسها بيديها.
ثم أدار وجهه.
وقبل أن يخرج، وقعت عيناه على رجل يجلس غير بعيد عنها.
توقف.
حدق فيه.
كان الوجه قد تغير.
كبر الرجل، وشاب شعره..
لكن العينين كانتا هما.
نفس العينين.
نفس الوجه الذي انحنى له يوما عند أطراف القرية.
الرجل الأول.
أول من أعطاه لوح الشيكولاتة، وقال:
ـ خد يا حبيبي.
ثبت مكانه.
نظر إليه الرجل.
تلاقت العينان.
ولم يعرف الرجل ماذا رأى في عينيه.
أما هو..
فلم يحتج إلى أن يقول شيئا.
أدار وجهه.
ثم وقعت عيناه على أخته الصغرى.
كانت تجلس بجوار أمها.
تأمل وجهها طويلا.
تتبع بعينيه خطوطه الصغيرة..
العينين..
الأنف..
الفم..
ثم رفع بصره نحو الرجل.
عاد إلى وجه أخته.
أغمض عينيه.
ولم يسأل.
لم يعد يريد أن يعرف.
خرج.
كان الجو باردا.
المطر ينزل خفيفا، ثم يشتد.
لف معطفه حول جسده، ومشى بلا اتجاه.
وعند ناصية الشارع..
توقف.
كانت عربة بطاطا تقف تحت المطر.
يتصاعد الدخان من فرن الشواء، ويلتف حول وجه البائع.
تقدم خطوة.
استنشق رائحة البطاطا الساخنة.
فجأة..
عاد إليه صباح بعيد.
أبوه يوقظه قبل الشمس.
يمسح على رأسه.
يقبله.
ويقول:
ـ اصحى يا بطل.. وأنا راجع هجيبلك حاجة بتحبها.
رأى يديه.
يديه الخشنتين وهما تشقان البطاطا.
ونفخته الحانية قبل أن يناوله القطعة.
وسمع صوته من جديد:
ـ الشقا والتعب طول النهار يهون علشانك.
وقف أمام العربة.
والدموع تختلط بماء المطر على وجهه.
قال البائع:
ـ أجيب لك كوز؟
ظل ينظر إلى البطاطا المتوهجة داخل النار.
ثم أومأ.
ناوله الرجل كوزا ساخنًا ملفوفا في جريدة.
أمسكه بكلتا يديه.
كما كان أبوه يفعل.
اقترب من البخار.
وأغمض عينيه.
لم يعد يتذكر الشيكولاتة.
ولا البونبون.
ولا الرجال.
ولا المحكمة.
تذكر يدًا خشنة..
كانت تعطيه من القليل كثيرا.
رفع البطاطا إلى فمه.
ونفخ عليها..
كما كان أبوه يفعل.
ثم ابتسم.
ومشى تحت المطر.
وفي يده..
كان آخر ما تبقى له من أبيه.
كوز بطاطا ساخن.
طارق الحلواني
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق