الخميس، 6 أغسطس 2026

تطوّر تاريخيّ أم تأميم للتُّراث السوري بقلم فؤاد زاديكي

السريانية: تطوّر تاريخيّ أم تأميم للتُّراث السوري؟

بقلم الباحث السوري فؤاد زاديكي

عندما يقوم باحث بتناول موضوع ما بأسلوب أكاديمي وعلمي مُحايد يكون قد أسهم في إغناء الفكر الإنساني، لكنّ هذا الوضع لا ينطبق على الكاتب والباحث السيد خلف علي الخلف، فهذا هو المنشور الثاني له عن السريان وهو يحاول جاهدًا إضافة ملحقات غير صحيحة عامدًا متعمّدًا على الإساءة الى السريان وتاريخهم، وكأنّ عداوة ما بينه وبين السريان، أخشى أن يكون هذا المسعى بدافع منطلق عروبي أموي إسلامي، يحاول إلغاء السريان ومسحهم، وهو يبتعد في بحثه هذا عن الحقيقة كلّ البعد. سبق وأن قمت بالردّ على مقال سابق له عن السريان والكلدان والآشوريين وبيّنت ما في بحثه من خلط واضح وتجنّ على الحقيقة، واليوم وأنا أقرأ مقاله هذا المعنون ب " السريان وتأميم التاريخ والتراث المسيحي السوري" أقول بوضوح: إنّ مَن ينظر إلى العنوان يرى بوضوح قصده الخبيث من خلال كلمة "تأميم" وهذا لا يغيب عن أي لبيب. جاء المقال في موقع الحوار المتمدن العدد ٨٧٨٦ بتاريخ ٢٠٢٦/٨/٣
المقال طويل بعض الشيء ويحتاج الردّ عليه أن يكون بعدّة أجزاء، ولست عاجزًا عن ذلك متى دعت الضرورة، لكنّي حاولت قدر المستطاع اختصار كلّ هذا في ردّ واحد يكون خلاصة وزبدة لمضمون ما جاء في مقال السيد خلف الخلف. 
بعد مراجعة الدعوى القائلة إنّ "السريانية" لم تكنْ سوى إعادة تسمية مُتأخرة لـ"السورية"، وإنّ الكنيسة السريانية الأرثوذكسية قامت بتحويل وصف جُغرافي ولُغوي عامّ إلى هُوِيّة كنسية احتكرت بها التراث المسيحي السوري، يتبيّن أنّ هذه الأطروحة تحتوي على عناصر صحيحة جزئيًا، لكنّها تُبالغ في تفسيرها وتبني عليها نتائج لا تدعمها الشواهد التاريخية.
إنّ الصحيح هو أنّ المُصطلحات التاريخية لا تبقى ثابتة المعنى، بل تتطوّر مع تغيّر الظروف السياسية والدينية والثقافية. فكلمة "سوري" في المصادر اليونانية والرومانية كانت تحمل دلالة جغرافية واسعة تشمل سكان إقليم سوريا ولغتهم، ثم تطوّرت بعض استعمالاتها في البيئات المسيحية الشرقية لتُشير إلى تقليد لغوي وأدبي أصبح يُعرَف بالسريانية، ثم اكتسبت لاحقًا أبعادًا كنسيّة وهُوِيّاتية.
لكنّ هذا التطوّر لا يعني أنّ السريانية كانت اختراعًا مُتأخّرًا أو عملية مُصطنعة لتأميم تاريخ سابق، لأنّ وجود التقليد السرياني اللغوي والأدبي يسبق بكثير اكتمال الهُوِيّة الكنسية السريانية بصورتها الحديثة.
فالنّصوص الكتابية السريانية، وفي مقدمتها البشيطا، وأعمال أفرام النصيبيني، ويعقوب السروجي، وفيلوكسينوس المنبجي، وسائر أدباء السريانية الأوائل، تشهد على وجود تقليد لغوي وثقافي واضح قبل القرون، التي يفترض المقال أنّها شهدت "اختراع" السريانية.
أمّا الاستناد إلى أنّ أفرام أو غيره من آباء القرون الأولى لم يستخدموا لقب "السرياني" بمعناه المتأخّر، فهو يقوم على خلط بين طريقة تعريف الأشخاص لأنفسهم في عصورهم وبين التصنيفات العلمية اللاحقة. فالأسماء والهُوِيّات التاريخية لا تَظهر دائمًا مُكتملة عند أصحابها، بل تتبلور تدريجيًّا عبر الزمن.
كما أنّ العلاقة بين "السوري" و"السرياني" ليست علاقة إحلال قسري أو مُصادرة سياسية، بل هي علاقة تطوّر لغوي مُشابه لما حدث في كثير من الحضارات، إذ تتحوّل النُّسب الجغرافية إلى أسماء لغوية وثقافية، ثم قد تكتسب معاني دينية أو حضارية أوسع.
أمّا الانقسامات الكنسية، التي أعقبت مجمع خلقيدونية، فقد كان لها دور في تشكيل الهُوِيّات الطائفية داخل المسيحية الشرقية، لكنّها لم تكنْ نقطة ولادة اللغة السريانية ولا بداية وجودها. فاللغة والتقليد الأدبي كانا قائِمَين قبل تشكّل الحدود الكنسية النهائية بين الخلقيدونيين واللاخلقيدونيين.
لقد ساهمت الكنائس المختلفة في حفظ التراث السرياني وتطويره، ولم يكنْ هذا التراث مُلكًا حصريًّا لكنيسة واحدة. فقد استخدمت السريانية كلّ من الكنيسة السريانية الأرثوذكسية، وكنيسة المشرق، وبعض الجماعات المسيحية الأخرى، كما أنّ كثيرًا من المؤلفات السريانية تمثّل تُراثًا مُشتركًا للمسيحية الشرقية، لا مُلكية مَذهبية مُغلقة.
ومِن هنا فإن مصطلح "تأميم التّراث السوري" لا يعبّر بدقّة عن الظاهرة التاريخية، لأنّه يفترض وجود عملية واعية لمصادرة إرث مشترك، بينما ما تكشفه المصادر هو عملية طبيعية من إعادة تعريف الذات داخل سياقات تاريخية متغيرة.
لقد أعادت الكنائس تَعريف هُوِيّاتها عبر العصور، وهذا أمرٌ طبيعيٌّ في تاريخ الجماعات الدينية، لكنّ إعادة التعريف لا تعني اختراع الماضي أو مَحوه.
فالنتيجة العلمية الأقرب إلى الدّقّة هي:
السريانية ليست هُوِيّة اخترعتها كنيسة متأخّرة للاستيلاء على التاريخ السوري، وليست أيضًا مُرادفًا بسيطًا لكلّ ما هو سوري قديم، بل هي تطوّر تاريخي طويل نشأ من الآرامية الشرقية في البيئة السورية والرافدية، وتحوّل تدريجيًّا إلى تقليد لُغوي وأدبي وثقافي ثم إلى هُوِيّة كنسيّة في بعض السياقات.
وبناءً عليه، فإنّ الخطأ المنهجي في الأطروحة مَحلّ النقد لا يكمن في الإشارة إلى تطوّر معنى المصطلحات، فهذا أمر صحيح، بل في تحويل هذا التطوّر إلى اتّهام بالمصادرة والاحتكار، وفي قراءة التاريخ بأثر رجعي من خلال صراعات الهُوِيّة الحديثة بدل فهمه ضمن سياقه القديم.
إنّ التاريخ المسيحي الشرقي ليس مُلكًا لجماعة واحدة، لكنّه أيضًا ليس فراغًا بلا أسماء أو تقاليد، والسريانية تمثّل أحد أهمّ هذه التقاليد، التي نشأت وتطوّرت عبر قرون طويلة، قبل أن تتّخذ أشكالها الكنسية والهُوِيّاتية اللاحقة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

حركة الرجالة بقلم منصور العيش

حركة الرجالة  ماذا جرى و ما يجري  في البر كما في البحر من رخص لهم النزوح  من أغواهم بذا البشر من أوعزهم على زحف  مآله ضياع زهرة العمر  شباب ...