الخميس، 6 أغسطس 2026

سوقُ الحقائقِ المستعملة بقلم طارق رضوان جمعة

سوقُ الحقائقِ المستعملة
بقلم الأديب المصري
د. طارق رضوان جمعة

وكما طالعتنا صفحاتُ بريد القرّاء بحقائقَ ناصعةٍ خرجت من أفواه أصحابها، طالعتنا أيضًا أكاذيبُ لم تنتصر بقوة الدليل، بل بجمال القناع الذي ارتدته، حتى خُيِّل إلينا أن الباطل قد استعار ملامح الحقيقة.

لم أصل إلى تلك المدينة، مدينة الحقائق، من طريقٍ أعرفه، بل وصلت إليها بعدما أضعت كلمةً كنت أظنها تعرف طريقها إليّ.

كانت مدينةً يُباع فيها كل شيء؛ الابتسامات في الواجهات، والبطولات بالتقسيط، والضمائر مغلّفةً حتى تبدو جديدة. أما الحقيقة، فكانت تجلس في آخر السوق، يعلوها الغبار، وقد كُتب فوقها: "مستعملة... وقليلة الطلب."

قال لي البائع: "أكثر الناس لا يشترون الحقيقة ليعرفوها، بل ليختاروا منها ما يوافق أهواءهم."

Truth wears dust in every age,
While lies perform upon the stage.

ومضيت بين الأزقة، فرأيت الناس يرددون الكلمات نفسها، لكنهم يقصدون معاني مختلفة. أصبحت الحرية اسمًا للرغبة، والتقدم مرادفًا للاستهلاك، وارتدت الكلمات أقنعةً لا تشبه وجوهها.

A word remains... its soul has flown,
Its sound is heard, its truth unknown.

التقيت طفلًا يحمل حقيبةً أثقل من عمره، فقال إنه يتعلم كل شيء إلا كيف يصبح إنسانًا. ورأيت شيخًا يبيع ساعاتٍ قديمة، ويخبر زبائنه أن أكثرهم يبحثون عن ساعةٍ تعود إلى الوراء، لأن الندم لا يطلب الزمن، بل يطلب فرصةً ثانية.

وأدركت أن الأمم لا تنهار حين تُقصف حدودها، بل حين تُقصف معانيها؛ فيصبح الوفاء سذاجة، والحياء ضعفًا، والتضحية غباءً، والاحترام مصلحةً عابرة.

No kingdom falls by stones alone,
It falls when truth deserts its throne.

وفي قلب السوق، رأيت من يشتري الإعجاب، ويستأجر البطولة، ويقايض ضميره بتصفيقٍ مؤقت، بينما ينادي التاجر:

"لدينا أحدث أنواع الحقائق... تناسب جميع الأذواق."

The mirror never dares to lie,
It only asks the passer: Why?

ثم انتهى الطريق عند بحرٍ غريب، لا يحمل ماءً بقدر ما يحمل ذاكرة البشر. كانت أمواجه تعيد صور العشاق، والأوفياء، والخونة، والأبطال، وكأن التاريخ لا يُكتب بالحوادث، بل بالطريقة التي تُروى بها.

ورأيت موجةً تحمل أمًّا تخفي جوعها خلف ابتسامة، وأخرى تحمل رجلًا أعاد حقًا إلى أصحابه دون أن يصفق له أحد.

The sea recalls what crowds adore,
Not always truth... but something more.

وعندما ارتفعت الأمواج، تحولت إلى شاشةٍ تعرض آلاف الحكايات، فعرفت أن الإنسان لا يرى بعينيه وحدهما، بل يرى بما يحب، وما يخشاه، وما يتمناه؛ لذلك تستطيع المشاعر أن تؤخر وصول الحقيقة، وإن عجزت عن هزيمتها.

The eye obeys the hidden heart,
And lets the fairest lie take part.

واصلت السير، فرأيت الخائن في ثوب الضحية، والوفي خارج إطار الصورة، والبطل تصنعه الموسيقى، والمذنب تغسله الدموع. وفهمت أن أخطر ما تفعله الحكاية ليس تغيير الأحداث، بل تغيير زاوية الضوء الساقط عليها.

A single beam, a softer tone,
Can make the borrowed truth your own.

ومن الضباب خرجت سفينةٌ عرفها العالم، لا لأنها حملت أعظم مأساة، بل لأنها حملت الرواية الأكثر تأثيرًا. هناك أدركت أن الحكاية قد تصبح أحيانًا أكبر من الحقيقة، وأن العاطفة قد تُخرس سؤال العدالة.

قالت لي المرآة:

"لا أخاف غرق السفينة... بل أخاف الغرق الذي سيبدأ بعدها في عقول المتفرجين."

The deepest wound no eyes can see,
It lives where truth forgets to be.

وحين صعدت إلى السفينة، وجدتها محكمةً تُحاكَم فيها الحقيقة، بينما يجلس الشعور على منصة القاضي. عندها فهمت أن أخطر ما يصيب الإنسان ليس أن يُجرح، بل أن يعتاد جرحه، وليس أن يخونه الناس، بل أن يقنعوه بأن وفاءه كان خطأه الوحيد.

ومنذ ذلك اليوم، كلما سمعت كلمةً جميلة، لم أعد أسأل:

كيف قيلت؟

بل أسأل:

لصالحِ مَن... رُويت؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

أعوذ بالله منكم بقلم خالد جمال

أعوذ بالله منكم ،،، ياللي الكُره عمى عيونكم ياللي الحقد ف شرايينكم دانتم محال تتسموا رجال وكيد قلوبكو أكيد لزوال هيجف ينضب في معينكم أعوذ با...