بِقَلَمِ الْكَاتِبِ: مَنْدَاسْ غَرِيسِي — الْجَزَائِر
الزَّمَانُ: 28 أوت 2026
الْمَكَانُ: مجلس أمن المقطورة
في عام 2026، وبينما كانت المعمورةُ مشغولةً بإحصاءِ خسائرها، وتجميلِ بياناتها، وتسميةِ الحروبِ بأسماءٍ أقلَّ قسوةً، جاءها خبرٌ عاجلٌ أربك نشراتِ الأخبار:
القطُّ والفأرُ قرّرا توقيعَ هدنة!
تسابقتِ القنواتُ إلى مكانِ الحدث، وازدحمتِ الكاميراتُ حول طاولةٍ مستديرة، جلس عند طرفيها خصمان لم يعرف التاريخُ بينهما سوى المطاردة.
كان القطُّ يرتدي بدلةً أنيقة، وقد وضع أمامه ملفًّا سميكًا.
أما الفأر، فجلس متحفزًا، وحقيبته الصغيرة تضم أوراقًا أكثر مما يحتمل جسدُه الصغير.
سأل أحدُ الصحفيين:
— لماذا السلام الآن، بعد كل هذه السنين؟
رفع القطُّ رأسه وقال:
— لأنني تعبتُ من مطاردته.
ابتسم الفأر وقال:
— وأنا تعبتُ من الهرب منه.
صفّق الحاضرون.
وكان التصفيقُ أولَ بندٍ غير مكتوب في اتفاقية السلام.
بدأت المفاوضات.
استغرقت ساعاتٍ طويلة، تخللتها استراحاتٌ للقهوة، وصورٌ تذكارية، وتصريحاتٌ عن «المرحلة الجديدة».
ثم خرج الطرفان بمعاهدةٍ تاريخية:
بنود الهدنة
المادة الأولى: وقفُ المطاردة بين القط والفأر، على أن يُسمح لكل طرفٍ بمراقبة الآخر من مسافةٍ آمنة.
المادة الثانية: يُمنع القطُّ من نصب الكمائن، ويُمنع الفأرُ من استفزازه بالمرور أمامه حاملًا قطعةَ جبن.
المادة الثالثة: تُفتح للفئران ممراتٌ آمنة، بشرط ألا تنتهي في المطبخ.
المادة الرابعة: يُمنع احتكارُ الجبن، وتُوزَّع الفتاتُ وفق مبدأ العدالة، بعد تشكيل لجنةٍ مختصة بتحديد معنى «العدالة».
المادة الخامسة: كلُّ خرقٍ للهدنة يُحال إلى لجنةٍ للتحقيق، ثم إلى لجنةٍ لدراسة نتائج التحقيق، ثم إلى لجنةٍ لمتابعة توصيات اللجنة الثانية.
المادة السادسة: تُحظر كلمة «عدو» في البيانات الرسمية، ويُستعاض عنها بعبارة «الطرف الآخر».
المادة السابعة: يلتزم الطرفان بالسلام التزامًا كاملًا، ما لم تستدعِ «الظروف الاستثنائية» غير ذلك.
المادة الثامنة: يتعهد الطرفان بأن تبقى الهدنة سريةً عن القطط الأخرى والفئران الأخرى، حفاظًا على نجاحها.
وقّع القط.
وقّع الفأر.
وتصافحا طويلًا أمام عدسات العالم.
في المساء، وبعد أن انفضَّ الجمع، وخمدتِ الأضواء، وبقيت الطاولة وحدها شاهدةً على التاريخ، جلس القطُّ والفأرُ في الغرفة نفسها.
قال الفأر:
— هل انتهت المطاردة؟
أجابه القط:
— على الورق.
— وفي الواقع؟
ابتسم القطُّ وقال:
— هذا يحتاج إلى اجتماعٍ آخر.
وفي الصباح، تصدرت الصحف عناوينها:
«انتصارٌ تاريخيٌّ للسلام!»
لكن الجبن اختفى من الأسواق.
واختفى الفأر.
واختفى القط.
وبعد أيام، صدر بيانٌ جديد:
«تم تمديد الهدنة إلى أجلٍ غير مسمى، نظرًا لنجاحها الباهر.»
وفي أسفل البيان، كُتب بخطٍّ صغير:
«تُستأنف المطاردة سرًّا، بعيدًا عن عدسات الإعلام، حتى لا يتأثر السلام.»
قرأت المعمورةُ البيان، ثم صمتت.
فقد أدركت، متأخرةً، أن القطَّ والفأر لم يكونا بحاجةٍ إلى هدنةٍ طويلة...
كانا بحاجةٍ فقط إلى كاميراٍ جيدة، وطاولةٍ مستديرة، وبيانٍ رسميٍّ يقول إن المطاردة قد انتهت.
ومنذ ذلك اليوم، كلما أعلنت المعمورةُ عن هدنةٍ جديدة، لم يعد الفأرُ يختبئ من القط.
بل صار يختبئ من البيان.
أما القطُّ، فتعلم أن أفضلَ طريقةٍ لمطاردةِ الفأر...
شكرا جزيلا
ردحذف