بقلم:ماهر اللطيف /تونس
يتلوّى من الوجع، حافيَ القدمين، باليَ الملابس، متّسخَ الشعر والوجه، مقوّسَ الظهر، تفوح منه رائحة نتنة. تجاوز الخمسين، على ما يبدو.
يمدّ يده للمارة، عسى أن ينال منهم عونًا على صعاب الحياة، ولو بكلمة طيبة أو دعاء، لكن الجميع يفرّون منه قبل أن يقترب.
اتكأ على حائط المطعم، وصاح بصوت متقطّع:
— جوعان... أوصالي تتقطّع من خواء معدتي. الرحمة يا أمة الرحمة!
لم يعره أحد اهتمامًا.
ظلّ يقاوم، ثم أخذ يفتر وينهار رويدًا رويدًا. انخفض صوته، تعرّق جسده، تغيّر لون وجهه، وارتعش بدنه... ثم سقط أرضًا مغشيًا عليه.
في تلك الأثناء، توقفت سيارة فخمة في مربض السيارات.
نزل منها رجل أربعيني أنيق، طويل القامة، بهيّ الطلعة. ترجل قليلًا نحو المطعم، فإذا به يلمح الرجل ملقى بلا حراك بجانبه.
صاح:
— ما هذا؟!
خرج العاملون مسرعين.
أشار صاحب المطعم إلى الرجل:
— أبعدوه من هنا قبل وصول الزبائن.
اقترب عاملان، ثم تراجعا وهما يسدّان أنوفهما. وبعد تردد، شرعا في كنسه بعيدًا عن واجهة المطعم، كأنه كومة من القمامة.
فجأة، دوّى صوت من بين المارة:
— ابتعد عن الرجل! كن إنسانًا ولو للحظة!
التفت صاحب المطعم غاضبًا:
— ما دخلك أيها المتطفل؟ واصل سيرك ولا تتدخل فيما لا يعنيك!
ردّ الرجل:
— إنه في سن والدك!
ثم أضاف:
— حذارِ... كما تدين تدان.
سخر صاحب المطعم:
— دعك من أسطوانة هذا العصر. اعتنِ به أنت إن مسّك وضعه!
أصرّ الرجل على إيقاف العمال، وانضمّ إليه بعض المارة، فحالوا بينهم وبين مواصلة كنس الرجل
.
ظلّ صاحب المطعم غاضبًا، يراقب المشهد من بعيد.
عندها حرّك المتسول رأسه بصعوبة، وخرج من فمه صوت بالكاد يُسمع:
— جوعان... يا أمة محمد...
اندفع الرجل إلى أقرب محل، واشترى له طعامًا وماءً. عاد، وأجلسه في الحديقة العمومية المقابلة للمطعم، وأطعمه بيديه، وساعده على استعادة قوته.
راقب صاحب المطعم وعماله المشهد من بعيد، ومعهم بعض المارة. دمعت عيون بعضهم، وابتسموا لابتسامة الرجل العجوز، وصفّقوا للإنسانية التي أنقذته.
بعد أن استعاد المتسول شيئًا من قوته، أمسك يد منقذه وقال:
— بني... كنت من سادة هذا الوطن.
أنصت الرجل.
تابع:
— أموال وعقارات وشركات... لم أكن أستطيع حصرها. أغوتني الدنيا سنوات، فملت إلى القمار وبعض المحرمات، وأهملت زوجتي وأبنائي وعائلتي، حتى كدت أهدم كل ما بنيته.
سكت قليلًا، ثم قال:
— استخرج أبنائي أمرًا قضائيًا بالحجر على ممتلكاتي، بدعوى فقداني الأهلية والعقل. طردوني، وحرموني حتى من أبسط حاجياتي... إلى أن صرت إلى ما ترى.
ضمه الرجل إليه بكل رقة.
اصطحبه إلى منزله، ومكّنه من الاستحمام والراحة، واشترى له ملابس جديدة، وأصرّ على أن يقتسم معه حياته، حتى يشاء الله.
بعد مدة، نجح في الاتصال بأبناء الرجل، وأخبرهم بحال والدهم، وبأنه تاب وندم على ما اقترف.
جاءه الرد باردًا:
— سيعود إلى ما كان عليه إن عاد إلى البذخ. ما بالطبع لا يتغير.
أغلق الرجل الهاتف، وظلّ صامتًا لحظات.
ثم عاد إلى العجوز، ووضع يده على كتفه:
— لا تخف... لن أتخلى عنك.
رفع العجوز عينيه إليه.
قال الرجل:
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق