دراسة في اختلاف التصورات حول الخلق والكون والحياة
الباحث: فؤاد زاديكي
منذ أن رفع الإنسان عينيه إلى السماء، لم يكن الكون بالنسبة إليه مجرّد فضاء شاسع تتناثر فيه النجوم والمجرات، بل كان وسيظلّ سؤالًا مفتوحًا عن الأصل والمصير والمعنى. فمن أين جاء هذا الوجود؟ وهل للكون بداية حقيقية؟ وهل سيكون له نهاية؟ وهل وراء هذا النظام الهائل عقل أو إرادة أو قصد؟ وهل الإنسان مجرّد نتيجة عابرة لمسار مادّيّ طويل، أم أنّ وجوده يحمل غاية تتجاوز حدود المادة والزمن؟ لقد رافقت هذه الأسئلة الإنسان منذ أقدم مراحل وعيه، ومنها نشأت تصوّرات دينية وفلسفية وعلمية متعدّدة، اختلفت في منطلقاتها وأدواتها، لكنّها التقت جميعًا عند محاولة فهم اللغز الأكبر: لماذا يوجد الكون أصلًا، وما موقع الإنسان منه؟
ومن بين التصوّرات الكبرى التي يمكن أن نميّز بينها، مع ضرورة الاعتراف بأنُ الواقع أكثر تنوّعًا وتعقيدًا، يأتي تصوُر المؤمنين بوجود خالق، وتصوّر اللادينيين بمختلف اتجاهاتهم، ثم التصوّرات الإلحادية التي تنكر وجود إله أو لا ترى دليلًا كافيًا على الإيمان به. غير أنّ أوّل ما ينبغي توضيحه، حفاظًا على الدّقّة، هو أنّ هذه الفئات ليست متطابقة الحدود، فاللاديني ليس بالضرورة مُلحدًا، والملحد ليس بالضرورة مُنكرًا للعلم، والمؤمن بوجود خالق ليس بالضرورة رافضًا للنظريات العلمية المتعلّقة بنشأة الكون أو تطوّر الحياة. إنّ الخلط بين هذه المفاهيم هو أحد أسباب كثير من السجالات العقيمة، التي تتحوّل فيها المسألة من بحث عن الحقيقة إلى مجرّد مواجهة بين هُوِيّات ومواقف مُسبقة.
ينطلق المؤمن بوجود خالق من فكرة أساسية مفادها أنّ الكون لا يُفسِّر نفسه بنفسه، وأنّ وجود العالم وقوانينه وانتظامه لا بد أن يرتبط، في نظره، بوجود عِلّة أولى أو خالق يتجاوز الطبيعة. وفي التصوّرات الدينية الكبرى لا يتوقّف الأمر عند مجرّد الاعتقاد بأنّ للكون خالقًا، وإنّما يتّسع ليشمل الاعتقاد بأنّ لهذا الخالق إرادة وصفات، وأنّ الإنسان ليس كائنًا بلا غاية، وأنّ للحياة قيمة أخلاقية، وأنّ للوجود بداية ونهاية، وأنّ الموت ليس بالضرورة خاتمة الوجود الإنساني.
وتكمن قوّة هذا التصوّر، من الناحية الفلسفيّة، في أنّه يطرح أسئلة لا تتعلّق بكيفيّة حدوث الأشياء فحسب، وإنّما تتجاوزها إلى السؤال عن أصل الوجود نفسه. فالإنسان يستطيع أن يسأل كيف تشكّلت المجرات، وكيف تكوّنت النجوم، وكيف تطوّرت الكائنات الحيّة، لكنّه يستطيع أيضًا أن يسأل: لماذا تُوجد قوانين طبيعية أصلًا؟ ولماذا يُوجد شيءٌ بدلًا من لا شيء؟ وهل يكفي وصف آلية حدوث الظاهرة لكي نكون قد قدّمنا تفسيرًا نهائيًا لوجودها؟ هذه الأسئلة تقع جزئيًّا خارج نطاق التجربة العلمية المُباشرة، ولذلك وجد المؤمن فيها مجالًا للاستدلال الفلسفي والميتافيزيقي على وجود خالق.
وقد كشفت العلوم الحديثة بالفعل عن كون له تاريخ طويل ومعقّد، إذ تُشير الأدلّة الكونية إلى أنّ عمر الكون يقارب 13.8 مليار سنة، وأنّه مرّ بمراحل مبكّرة شديدة الحرارة والكثافة، ثم تمدّد وتطوّر إلى البنية الكونية التي نراها اليوم. وتستند هذه الصورة إلى شواهد متعدّدة، من بينها تَمَدُّد الكون وإشعاع الخلفية الكونية الميكروي وتوزيع العناصر الخفيفة. غير أنّ هذه المُعطيات، مهما بلغت قوّتها العلمية، لا تُشكّل في ذاتها بُرهانًا مُباشرًا على وجود الله، كما أنّها لا تشكّل برهانًا على عدم وجوده. فنظرية الانفجار العظيم تُفسِّر تطوّر الكون في مراحله المُبكّرة وفق النموذج الفيزيائي والأدلّة المُتاحة، لكنّها لا تُجيب بالضّرورة عن السؤال الميتافيزيقي المُتعلّق بسبب وجود الكون أو بما إذا كان وراءه قصد مُتعالٍ.
وهنا تظهر إحدى أهمّ النقاط، التي ينبغي المُحافظة عليها في النقاش: العلم لا يساوي الإلحاد، كما أنّ الإيمان لا يساوي رفض العلم. فهناك مؤمنون يقبلون نظرية الانفجار العظيم والتطوّر البيولوجي ويرون أنّ القوانين والآليات التي يكشفها العلم تصف الطريقة التي يعمل بها الكون، لا أنّها تنفي وجود خالق. وفي المقابل هناك مُلحدون يتبنّون المنهج العلمي ويرون أنّ التفسيرات الطبيعية كافية، ولا يرون حاجة إلى افتراض سبب فوق طبيعي. ولذلك فإنّ جعل العلم نفسه طَرَفًا في الصّراع بين الإيمان والإلحاد يمثّل اختزالًا لمجاله الحقيقي.
أمّا اللادينية فهي أوسع بكثير من الإلحاد، وربّما كان من أكثر الأخطاء شُيوعًا أن يوضع كلّ شخص غير مُنتمٍ إلى دين في خانة المُلحدين. فاللاديني قد يكون لاأدريًا يرى أنّ الأدلة المُتاحة لا تسمح بالجزم بوجود الله أو عدم وجوده، وقد يكون شخصًا يؤمن بوجود قوّة عُليا أو معنًى روحيّ دون أن ينتمي إلى دين مُحدّد، وقد يكون ببساطة إنسانًا لا يجعل المسألة الدينية مِحورًا لحياته الفكرية. ومن ثمّ فإنّ اللادينية ليست عقيدة واحدة، وإنّما مساحة واسعة من المواقف المختلفة تجاه الدين والإله والوحي والمرجعية الدينية.
وتظهر في اللاأدرية خصوصًا نزعة إلى التواضع المعرفي، فبدل أن يقول الإنسان «أعرف أنّ الله موجود» أو «أعرف أنّ الله غير موجود»، يُمكنه أن يقول: «لا أملك من الأدلّة ما يكفي للحسم». وقد يبدو هذا الموقف، من زاوية معيّنة، أكثر تَحفّظًا من الموقفين القطعيين، لأنّه يُقِرّ بحدود المعرفة البشرية ويعترف بأنّ بعض الأسئلة قد تتجاوز قدرة الإنسان الحالية على البَرْهَنة. لكنّه لا يخلو هو الآخر من إشكال، إذ إنّ الاعتراف بعدم المعرفة يمكن أن يكون موقفًا معرفيًّا نزيهًا، لكنّه قد يتحوّل إلى نوع من الشّكّ الدائم إذا أصبح الإنسان يرفض إمكان الوصول إلى أيّ حقيقة تتجاوز التجربة المباشرة.
كما أنّ الابتعاد عن الدين لا يَحسم تلقائيًا الأسئلة الكبرى المتعلّقة بالأخلاق والمعنى والقيمة. فإذا لم يكنْ للكون غاية موضوعيّة، فَمِن أين تستمدّ العدالة قيمتها؟ ولماذا ينبغي للإنسان أن يكون عادلًا إذا لم يكُنْ هناك معيار يتجاوز رغبات الأفراد والمجتمعات؟ وهل يُمكن تأسيس الأخلاق على العقل والمنفعة والتعاقد الاجتماعي والتطوّر البيولوجي وحدها؟ أم أنّ هناك قِيَمًا موضوعيّة لا تعتمد على رغبات البشر؟ هذه أسئلة فلسفية ظلّت مفتوحة أمام المدارس الدينية وغير الدينية على السّواء، ولذلك لا يمكن اعتبار اللادينية إجابة نهائية عن مشكلة المعنى والأخلاق.
أمّا الإلحاد، فهو أيضًا مفهوم يحتاج إلى قدر من الدّقّة. ففي بعض الاستعمالات يعني الإلحاد الاعتقاد بعدم وجود إله، وفي استعمالات أخرى يعني ببساطة غياب الإيمان بوجود إله. وبين الموقفين فرق فلسفي مهم؛ فالقول «لا أؤمن بوجود إله» ليس بالضرورة مُساويًا للقول «أؤمن يقينًا بعدم وجود إله». ومِن هنا يُمكن أن نجد مُلحدين يتبنّون مواقف قويُة في إنكار وجود الإله، وآخرين يرون أنّ الأدلُة المتوفّرة لا تبرِّر الاعتقاد بوجوده دون أن يدّعوا امتلاك برهان قاطع على استحالته.
ويرى المُلحد ذو التوجه الطبيعي أنّ أفضل طريقة لفهم العالم هي البحث عن أسبابه الطبيعية دون إدخال عناصر فوق طبيعيّة في التفسير ما لم توجد ضرورة أو أدلّة مستقلة تدعو إلى ذلك. وقد حقّقت العلوم الطبيعية نجاحًا هائلًا في هذا المجال، فقد أصبح الإنسان قادرًا على تفسير ظواهر كان يُفَسِّرها في الماضي بالأساطير والقوى الغيبية، وأصبح قادرًا على دراسة نشأة النجوم والمجرّات، وتطوّر الأنواع، وآليات الوراثة، وبُنية المادّة، والقوانين، التي تحكم الظواهر الطبيعية.
وتُقَدِّم نظريّة التطوّر مِثالًا مُهِمًّا في هذا السياق. فالتطوّر البيولوجي يفسّر تنوّع الكائنات الحية وتغيّرها عبر أزمنة طويلة من خلال آليات مثل الانتخاب الطبيعي والطفرات الوراثية والانجراف الجيني وغيرها. وقد أصبح التطوّر أحد الأُطُر الأساسية في علم الأحياء الحديث. لكنّ قبول التطوّر لا يفرض منطقيًّا الإلحاد، فالنظرية تُجيب عن أسئلة تتعلّق بتغيّر الكائنات وتَنوّعها، ولا تحسم وحدها سؤال ما إذا كان وراء قوانين الطبيعة خالق أو غاية. وبالمثل، فإنّ الانفجار العظيم يصف تاريخ الكون المبكّر، لكنّه لا يحسم بمفرده السؤال الفلسفي حول ما إذا كان الوجود يحتاج إلى علّة أولى.
وهنا تظهر قوّة الموقف الإلحادي في مساءلة الافتراضات غير الضرورية. فإذا كان بالإمكان تفسير ظاهرة ما تفسيرًا طبيعيًّا مَدعومًا بالأدلّة، فلماذا نُضيف إليها تفسيرًا فوقَ طبيعيٍّ؟ وإذا كان الكون يعمل وفق قوانين يمكن اكتشافها ووصفها دون الإشارة إلى إله في المعادلات العلمية، فهل وجود الإله فَرَضية ضروريّة أم تفسير فلسفي زائد؟ هذه أسئلة جدّيّة ينبغي على التصوّر الديني أن يواجهها دون الالتفاف عليها.
لكنّ الإلحاد بدوره لا يخلو من أسئلة فلسفية صعبة. فإذا كان الوجود المادّي هو الحقيقة النهائية، فكيف نُفَسِّر وجود الكون نفسه؟ ولماذا توجد قوانين طبيعية بهذه الصورة بدلًا من غيرها؟ وكيف نُفَسِّر ظهور الوعي الذاتي والقيم والمعنى؟ وهل يمكن أن تكون الأخلاق موضوعية في كون لا توجد فيه غاية أو قيمة مُتعالية؟ وقد حاولت الفلسفات الطبيعية والإلحادية تقديم إجابات متنوّعة لهذه المسائل، إلُا أنّ اختلاف هذه الإجابات يدلّ على أنّ الإلحاد ليس منظومة تفسيرية واحدة مُتماسكة في كلّ تفاصيلها، وإنّما يضمّ بدوره مدارس واتجاهات متعدّدة.
ومن الخطأ كذلك أن يُقال إنّ المؤمن «يؤمن دون دليل» وإنُ الملحد «لا يؤمن إلّا بالدليل» بصورة مُطلَقة، فكلتا العبارتين تختزلان واقعًا فلسفيًّا مُعقّدًا. المؤمن قد يستند إلى حُجج فلسفية، وتجربة دينية، ونصوص دينية، وتجربة شخصية، واستدلالات تتعلّق بالسببية والنظام والوعي والأخلاق، بينما قد يستند الملحد إلى حُجج فلسفية تتعلّق بمشكلة الشّرّ، وغياب الدليل الكافي، وتعدّد الأديان، وكفاية التفسير الطبيعي. وفي الحالتين لا توجد طريقة واحدة يتّفق عليها الجميع باعتبارها معيارًا نهائيًّا للحسم.
أمّا السؤال عن الشّرّ والألم، فهو من أكثر الأسئلة تَحَديًا للتصوّر الديني. فإذا كان الخالق قادرًا على كلّ شيء وخيرًا على نَحو مُطلَق، فلماذا تُوجد الحروب والأمراض والكوارث الطبيعية ومعاناة الأطفال والحيوانات؟ وقد قدّمت الفلسفات والأديان إجابات عديدة، من بينها الحُرّية الإنسانية، والابتلاء، والحكمة التي لا يُدركها الإنسان، وفكرة أنّ الشُرّ ليس وُجودًا مستقلًّا بل نَقصٌ في الخير. إلّا أنّ هذه الإجابات لا تمنع استمرار السؤال، ولا ينبغي للباحث المُحايد أن يتعامل معه باعتباره سؤالًا بسيطًا يُمكن التخلّص منه بجملة واحدة.
وفي المُقابل، يُواجه التصوّر الطبيعي سؤالًا مُختلفًا ولكنّه عميق: إذا كان الكون لا يحمل في ذاته غايةً موضوعيّة، فهل يستطيع الإنسان أن يصنع المعنى بنفسه؟ وهل كون المعنى من صنع الإنسان يجعله أقلّ حقيقةً؟ أم أنّ القِيَمَ الإنسانيّةَ يُمكن أن تكون حقيقيّةً ومُلزِمةً حتّى لو لم تكن مفروضةً من مصدر مُتعَالٍ؟ لقد حاولت الفلسفات الوجودية والإنسانية والطبيعية تقديم إجابات مختلفة، وأثبت تاريخ الفكر أنّ الإنسان قادر على بناء منظومات أخلاقية ومعايير للعدالة حتى خارج الأطُر الدينية، لكنّ الجدل حول الأساس النهائي لهذه القيم ما يزال مفتوحًا.
إنّ الفارق الأعمق بين هذه المواقف الثلاثة لا يتعلّق فقط بالسؤال عن كيفيّة نشوء الكون، وإنّما يتعلّق أيضًا بالسؤال عن مصدر المَعرفة وحدودها. فالمؤمن يفسح مجالًا للوحي إلى جانب العقل والحس والتجربة، ويرى أنّ بعض الحقائق لا يُمكن الوصول إليها بالعقل التجريبي وحده. واللاديني يَميل، في أشكاله المختلفة، إلى تعليق الحكم أو بناء رؤيته خارج المرجعية الدينية، مع تفاوت كبير بين أتباعه في المواقف من الميتافيزيقا. أمّا الملحد فيرفض الاعتقاد بوجود إله أو لا يرى دليلًا كافيًا عليه، وغالبًا ما يمنح التفسير الطبيعي الأولوية في فهم العالم.
ولذلك فإنّ الحياد الحقيقي لا يعني القول إنّ جميع هذه المواقف متساوية في كلّ حجة، كما لا يعني أنّ الحقيقة تقع بالضرورة في نقطة وسط بينها. الحياد يعني قبل كلّ شيء أن يُعرَض كلّ موقف بأقوى صورة يُمكن لصاحبه أنْ يُدافع عنها، ثم تُدرَس حججُه واعتراضاتُه بعيدًا عن السخرية والتخوين والتعميم. فكما لا يصحّ أن نصف كلّ مؤمن بأنّه يرفض العلم، لا يصحّ أن نصف كلّ ملحد بأنّه ينكر الأخلاق أو يفتقر إلى المعنى، ولا أن نختزل كلّ لادينيّ في شخص متردّد لا يملك موقفًا فكريًّا.
إنّ الإنسان، في نهاية المطاف، يقف أمام كون هائل تتجاوز أبعادُه قدرتَه على الإحاطة، ومع ذلك يمتلك عقلًا يدفعُه إلى السؤال. وربّما كانت قيمة هذا السؤال أكبر من أيُ إجابة مُتَسَرِّعة. فالذي يؤمن بالخالق مُطالَب بأن يُمَيّز بين الإيمان العميق وبين الادّعاء الذي لا سند له، وأن يُدرك أنّ وجود العلم لا يمثّل تهديدًا بالضّرورة لإيمانه. والذي يرفض الدين مُطالَب بأن يُمَيِّز بين نَقد المؤسسات الدينية ونَفي كلّ ما هو مُتجاوز للمادة، وأن يدرك أنّ نجاح العلم في تفسير الظواهر الطبيعية لا يساوي تلقائيًّا بُرهانًا فلسفيًّا على عدم وجود الله. والذي يُعلّق الحكم مُطالَب بدوره بأن يظلّ مُنفتحًا على الأدلّة وألّا يجعل الشّكّ غايةً في ذاته.
ولعلّ أكثر المواقف نُضجًا هو ذلك الذي يرفض تحويل المسألة إلى معركة بين «العقل» و«الإيمان»، وكأنّ أحدهما لا يُمكن أن يُوجد إلّا على حِساب الآخر. فالعقل نفسُه هو الأداة، التي يَستخدمها المؤمن في بناء حُجته، والأداة التي يستخدمها المُلحد في نقدِها، والأداة التي يستخدمها اللاأدري في تعليق الحكم. وما يختلف بينهم في نهاية الأمر هو طبيعة الأدلة التي يقبلونها، وحدود ما يرونه قابلًا للمعرفة، والتفسير الذي يقدمونه للوجود.
إنّ السؤال عن أصل الكون ليس سؤالًا علميًّا خالصًا ولا دينيًّا خالِصًا ولا فلسفيًّا خالصًا، إنّه سؤال تتقاطع فيه هذه المجالات جميعًا. والعلم يستطيع أن يُضيء لنا جانبًا من تاريخ الكون وآليات الطبيعة، والفلسفة تستطيع أن تفحص مفاهيم العِلّة والوجود والضرورة والمعنى، والدين يقدّم رؤية تتجاوز الوصف المادّي إلى الغاية والقيمة والمصير. وحين نضع هذه المجالات في مواضعها الصحيحة، بدل أن نجعل أحدها يلغي الآخر، يصبح الحوار أكثرَ عقلانية وأقلّ تعصبًا.
وفي النهاية تبقى الأسئلة الكبرى قائمة: هل الوجود حقيقة مكتفية بذاتها، أم أنّه يحتاج إلى تفسير يتجاوزه؟ هل قوانين الطبيعة هي نقطة النهاية، أم أنّها بدورها تحتاج إلى تفسير؟ هل الوعي مُجرّد نتيجة للمادة، أم أنّ في الوعي شيئًا لم يُفهَم بعد؟ وهل الأخلاق اختراع بشري أم أنّها تُشير إلى حقيقة تتجاوز الإنسان؟ وهل الحياة حادث كونيّ بلا غاية، أم أنّ وراءها معنًى لا تستطيع الأدوات التجريبية وحدها أن تكشفه؟
ليس من وظيفة الباحث المُحايد أن يفرض على القارئ إجابةً مُسبقة عن هذه الأسئلة، وإنّما أن يُساعده على رؤية الخريطة الفكرية كاملة، وأن يُميّز بين الحقيقة والافتراض، وبين الدليل والتأويل، وبين ما يقوله العلم فعلًا وما نستنتجه نحن فلسفيًّا من نتائجه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق