كانت "الدالية الكبيرة" ترتفع في وسط الدار كجدّة حنون، تمدّ أذرعها الخشبية المتينة لتصنع سقفاً من خمرٍ وخضرة.
على مرّ السنين، ظلّ الجدّ يجلس في صدر العريشة متكئاً على عصاه، يرمق قوامها المتماسك الذي يذكره بجذور عائلته وثباتها. وإلى جانبه، كانت الأمّ تغدو وتروح كالنحلة، تجمع أوراق الدوالي الغضة بعناية لتعدّ مائدة المحبة، وتغزل من ظلالها حكايات دافئة تجمع شمل العائلة كل مساء. كبر الأبناء في كنف هذا الظل الظليل؛ يستجير الأب به من هجير الظهيرة، ويتسابق الصغار ضاحكين لقطف العناقيد المتدلية كعقود من الزمرد والياقوت. كانت الدالية روح البيت ورمز وحدته وعنفوانه.
ومع كرّ الأيام، لوّح الصيف بالوداع، وتسللت برودة الخريف الجافة إلى أطراف العريشة، تماماً كما تسللت السنون وثقلها إلى جسد الجدّ المتعب. بدأ بريق الخضرة يبهت، ووقفت الأم واجمة ترقب تساقط الأوراق وهي تشعر بغصة الفراق المقترب. ثم حلّ موسم "الزَّبْر" (التقليم)؛ وقف صاحب الدار بمقصه الحديدي يقطع الأغصان المتشابكة التي لطالما التفت معاً كجسد واحد. مع كل حركة مقص، كانت تتلاشى تلك الشبكة الحامية، وبدت الفروع المقطوعة كأبناء كبروا فجأة ففرقتهم دروب الحياة، وغادر كل منهم نحو أفق بعيد، تاركين وراءهم دفء البيت العتيق.
اشتدت الرياح، فهوت الأوراق الصفراء مستسلمة للتراب كإعلان صامت عن موت مؤقت. وضع الجد يده على كتف الأم، ينظران معاً إلى الجذع العاري الصامد في مهب الريح بلا دثار، ينتظر بصمود انقضاء شتاء طويل على أمل أن يورق الربيع من جديد.
دخل الشتاء بزمهريره وأمطاره الغزيرة ليعمّق صمت الفناء. تحولت العريشة إلى أطراف نحيلة ترتجف في الصقيع، تنهمر منها قطرات المطر كدموع ترثي بها مجدها الغارب. كان الجد يرنو من خلف زجاج النافذة إلى الجذع الصلب الذي يرفض الانكسار، بينما تصنع الأم الشاي وتكابد لوعة الغياب؛ فلا أوراق تُجمع، ولا عناقيد تُجنى، ولا ضحكات تملأ الأرجاء.
وفي ليلة شاتية قاسية البرودة، مزّق سكون الدار رنين هاتف الأم؛ رسالة نصية وصلت من ابنها المغترب في بلاد البعاد. فتحتها بأنامل مرتجفة شوقاً، وأمال الجد رأسه بلهفة ليقرأ:
"أمي الحبيبة، جدي الغالي.. أكتب إليكما والثلج يغطي نافذتي في الغربة. تذكرت الليلة جلساتنا تحت الدالية الكبيرة، واشتقت لدفء الدار ولمّتنا التي لا يعوضها ثمن. أعلم أن الشتاء عرّى عريشتنا وتفرقت أغصاننا، لكنني أعدكم.. مع أول برعم أخضر يتفتح في الربيع، سأكون عندكم. جذورنا في أرض الدار لن تموت، وسنلتف حولها من جديد."
نزلت الكلمات برداً وسلاماً على قلبيهما، فاستحالت الدالية العارية في عيني الأم رمقاً من حياة كامنة، وابتسم الجد ضاغطاً على عصاه بيقين أن ماء الجذور لا بد أن يجمع الأغصان ثانية.
غير أن الفصول لا ترحم الانتظار. تعاقب الربيع والصيف لسنوات طوال خضّبت شيب الجد والأم، حتى أغمضا أعينهما ورحلا عن الدنيا. ومع موتهما، انطفأ شغف الحياة في الدار، وغابت الفروع في مهاجرها ولم تعد. ذوت الدالية بعد أن طواها الجفاء، ولم يبقَ منها سوى أعواد يابسة تتصارع مع عصف الرياح.
حتى تلك الحبات القليلة الضامرة من العنب، استحالت مأدبة لعصافير عابرة تنقر ما تبقى من الإرث، وكأنها تشدو فوق الخشب الناشف بلحن شجي: "رحم الله من خلّى.. ورزق من تولّى". كانت الطيور تدرك بحسّها الفطري أن "بنت الصيف" تضمحل صيفاً بعد صيف، وأن جدران المنزل تهوي حجارتها شتاءً إثر شتاء؛ فلا غائبٌ عاد، ولا ربيعٌ أزهر، وكأن الخريف ألقى بكلكله على المكان إلى أبد الآبدين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق