الثلاثاء، 3 نوفمبر 2026

المعيار الصحيح لتمييز الحقائق عن الأوهام بقلم عباس كاطع حسون

المعيار الصحيح لتمييز الحقائق عن الأوهام
للتجربة الوهمية... والتجربة الحقيقية

في علم النفس والمنطق الفلسفي، كثيراً ما يلجأ الإنسان إلى "التجربة" ليبرهن على صدق ما يعتقده، ولكن التجارب البشرية ليست كلها على قدمٍ وساق من الصحة؛ فهناك التجربة الحقيقية التي تبني معرفة موضوعية رصينة، وهناك التجربة الوهمية (أو المغلوطة) التي تقود صاحبها إلى سرابٍ يحسبه ماءً.

فيأتيك أحدهم يقول لك: "أنا جربت ذلك بنفسي؛ ذهبت للكشاف وانحلت مشكلتي"، لكنه نسي أنه ذهب كثيراً من المرات ولم تُحل مشكلته! فلماذا تعلق بهذه وترك الكثرة؟ هذا ما ستعرفونه من خلال هذا الموضوع الشيق المهم...

ويمكننا التمييز بينهما عبر عدة معايير دقيقة:

أولاً: التجربة الوهمية (أو الوهم التجريبي)

هي اعتقاد راسخ لدى الشخص بأنه اختبر شيئاً وتحقق منه، لكن هذا الاختبار مبني على آليات نفسية أو إدراكية خاطئة تشوه الواقع. ومن أبرز مظاهرها وأسبابها:

الانحياز التأكيدي: وهو الآفة الأكبر؛ حيث يركز صاحب الوهم على الحالات النادرة التي "تتفق" مع معتقده، ويتجاهل مئات الحالات التي تنفيه (مثل من يعتقد بنبوءة معينة، فيتذكر المرة التي صدقت فيها وينسى المئة مرة التي أخطأت فيها).

الخلط بين التزامن والسببية: أن يحدث أمران أحدهما تلو الآخر، فيتوهم الشخص أن الأول هو سبب الثاني لمجرد تتابعهما (مثل أن يرتدي أحدهم قميصاً معيناً فيُنطرد من عمله، فيتوهم أن هذا القميص "جالب للنحس"، رغم عدم وجود أي رابط سببي منطقي).

التأثير الوهمي أو الإيحائي: عندما يتوقع الإنسان نتيجة معينة بقوة، فإن جهازه العصبي أو النفسي يتأثر إيجاباً أو سلباً بناءً على هذا الإيحاء، فيظن أن التجربة البرهانية هي التي صنعت النتيجة، بينما الذي صنعها هو "الوهم النفسي" لا غير.

التفسير الانتقائي وتأويل الغامض: أن يأخذ الشخص حادثة غامضة أو متشابهة، فيكيّفها قهراً لتتوافق مع وهمه، رافضاً أي تفسير علمي أو منطقي بَديل.

ثانياً: التجربة الحقيقية (الموضوعية والمنطقية)

هي التجربة التي لا تكتفي بالشعور الشخصي، بل تخضع لمعايير العقل السليم، والبرهان الموضوعي، وقابلية الاختبار والتعميم. ومن سماتها:

القابلية للتكرار: التجربة الحقيقية ليست حدثاً فريداً أو غامضاً يخص شخصاً وحده في ظروف استثنائية، بل هي أمر يمكن لأي إنسان عاقل ومحايد أن يعيده ويحصل على نفس النتيجة متى ما توفرت نفس الشروط.

فصل الرغبة عن النتيجة: في التجربة الحقيقية، لا يهم الباحث أو المُجَرِّب أن تكون النتيجة مطابقة لهواه أو مخاوفه، بل يُسَلِّم للحقائق أينما كانت؛ فلا يحرف الوقائع لتدعم رغبته المسبقة.

خضوعها للسببية المنطقية والعلوم: أن يكون هناك مسار عقلي أو علمي مفهوم يفسر كيف ولماذا حدثت هذه النتيجة، لا أن تُترك في إطار الخرافة أو التفسيرات الغيبية غير المسندة.

الاستعداد للتراجع عند ظهور الدليل العكسي: صاحب التجربة الحقيقية والعقل المنصف مستعد دائماً لتعديل رأيه إذا تبين له خطأ استنتاجه، بينما صاحب التجربة الوهمية يزداد تشبثاً بوهمه كلما واجهته بالحجة، محتمياً بعبارة: "أنا جربت بنفسي ولا تحتاجون لبرهان".

خلاصة القول:

الفرق الجوهري هو أن التجربة الوهمية تقودها "الرغبة والنفس والعاطفة" والجهل والتقليد، وتُفسر الواقع بناءً على ما يتناهى إلى الشخص أو يتخيله، بينما التجربة الحقيقية يقودها "العقل والمنطق والموضوعية" وتُخضع المعتقد لاختبارات الواقع والبرهان المستقل عن الأهواء.

فحين يقول لك قائل: "أنا جربت هذا والأمر حقيقي"، فالمعيار الفاصل ليس مجرد وقوع التجربة في وجدانه، بل مدى صمود هذه التجربة أمام محك المنطق، والموضوعية، وقابلية البرهان للآخرين...

منقول بتصرف للفائدة
عباس كاطع حسون / العراق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

النصف الأبكم من الحياة بقلم مريم سدرا

النصف الأبكم من الحياة ظننت العشق جذوراً تشعبت في تربة روحي زهرة نبتت من غمائم  الشوق ففاحت بعبير لا يوصف ظننته حياة نبضة زائدة ولدت في  رحم...