السبت، 7 نوفمبر 2026

مربّعٌ مثقوب بقلم مضر سخيطه

------------- مربّعٌ مثقوب
شعر / المستشار مضر سخيطه - السويد 

لو يستعيد اللون رونقه الذي جناه أوج اشتعال الذاكره 
ماقبل عكس السير  
قبل الميل 
والرجوع في الحياة للأكواخ 
والجدران قوامها المياه والتراب من هشيم 
من مفرزات النوء
في الفصول ذلك المربع المختلف الميول 
والأبعاد 
في حفَرٍ للموت في المدافن القديمة 
كالإنزلاق قيد شَعرةٍ 
لدعوةٍ حميمةٍ
لليلةٍ
لحفنةٍ مغرورةٍ الأهواء والسلوك غير مستقيمه 
قُتِلتُ فيك ياحبيبي المجهول 
كما افتتنت
في مقلتيّ نظرةٌ تشي بأنّها تعيش في خبال 
كلوحةٍ لشجَرٍ قزميِ  
أو ضفيرةٍ سائبة السليقة السليمة 
فضاؤها 
لايشبه الفضاء في الخيال 
صوّرها رسّامها من فرجةٍ 
من كوّةٍ مستمدّةٍ لقبّرة 
أو من شحوب محبره
شواظ ناظريك هاربٌ من عالم الأتون والجحيم 
محرقةٌ لأبخرةٍ في أنسجة التنين 
لن يمهل الزمان حلمنا الذي خنّاه غير مرّةٍ
ومرّةٍ
ولم نزل نخنه في تثاؤبٍ عجيب 
رؤوسنا لانبرح المربّع المثقوب 
من السجيّة النقيّة الأطراف بالرغم من قتامة الغيوم 
والهموم في البهيم 
وتورق المشاعر المهمّشة 
تقوم من جمالها الغيطان للحياة 
تقول لامكان للأحزان بيننا 
فمذ تورّطت أعماقنا 
وانسحقت من وطأة التهجير والهجير 
وبعضنا استمرأها وراح يسمترّ بالغطيط والشخير
تقودني الأنفاس بانحياز 
تصير لُجّة الحياة ضِلّتي 
لحالةٍ أقل مايقال أنّها تُشعرني بقبح فكرتي 
وضيق نظرتي إزاءها
مؤملاً
أن تستردّ فرحتي ضياءها وتستدل حال غيبة النجوم 
أو تعذّرالظهور باليقين والشعور
سأستمرّ بابتسامتي 
أستبدل الصراخ بالحوار 
كمنقذٍ
كمنفذٍ لابدّ منه في التعبير 

--------------------
شعر / المستشار مضر سخيطه - السويد

صورة تحليلية للناقد المبدع الأستاذ الأديب الدكتور 
سعد دسوقي 
__________________________________________  
1. التحليل: تتأسس قصيدة «مربع مثقوب» للمستشار مضر سخيطه على رؤية فلسفية وإنسانية عميقة، تتخذ من المربع المثقوب رمزا لحياة فقدت اكتمالها، وأصبحت محاصرة بثقوب الذاكرة والانكسارات والتحولات التي أصابت الإنسان في مسيرته. فالعنوان لا يأتي بوصفه صورة هندسية جامدة، بل باعتباره استعارة لحالة وجودية تتداخل فيها النواقص والخيبات، ويغدو فيها الإنسان أسير ماض لا يستطيع استعادته، ومستقبل لا يملك ضمانات الوصول إليه. ومنذ الاستهلال «لو يستعيد اللون رونقه الذي جناه أوج اشتعال الذاكرة» يضعنا الشاعر أمام علاقة متوترة بين الذاكرة والزمن والجمال، فاللون هنا ليس مجرد قيمة بصرية، وإنما دلالة على بهجة مسلوبة يحاول الوعي استردادها. وتتوالى الصور في حركة استرجاعية تستحضر الأكواخ والجدران الهشة والمياه والتراب، لتكشف عن هشاشة الوجود الإنساني حين تتداعى ركائزه. ثم تتسع الدائرة الرمزية عبر صورة المربع المختلف الميول والأبعاد، والحفر والمدافن القديمة، حيث تتجاور الحياة والموت، والحميمية والخطر، والافتتان والانكسار. وفي قوله «قُتِلتُ فيك يا حبيبي المجهول كما افتتنت» تتجلى مفارقة عاطفية لافتة، إذ يجتمع القتل والافتتان في تجربة واحدة، بما يعكس اضطراب الذات أمام حب ملتبس لا تعرف له ملامح مستقرة. ويواصل الشاعر بناء عالمه التصويري من خلال العينين واللوحة والشجر القزمي والضفيرة والكوّة وشحوب المحبرة، وهي مفردات تنتمي إلى فضاء بصري تتداخل فيه الرؤية بالتخييل، ويصبح فيه الرسام شاهدا على عالم لا يشبه صورته في الخيال. كما تحمل صورة «شواظ ناظريك هارب من عالم الأتون والجحيم» طاقة تصويرية تستحضر الاحتراق الداخلي، وتمنح النظرة بعدا يتجاوز العاطفة إلى صراع الوجود. وفي المقطع الذي يقول فيه «لن يمهل الزمان حلمنا الذي خنّاه غير مرة» تتقدم ثيمة الخيانة الزمنية، لا بوصفها فعلا عابرا، بل باعتبارها تكرارا إنسانيا يضعف الحلم ويستنزف القدرة على الوفاء. ويعود المربع المثقوب ليصبح فضاء نفسيا محاصرا، تتراكم داخله الغيوم والهموم، غير أن الشاعر لا يستسلم للعتمة، بل يستدعي صورة المشاعر المهمشة وهي تنهض من جديد، وتورق الغيطان للحياة، في انتقال دلالي جميل من القحط إلى الإخصاب، ومن الانسحاق إلى النهوض. وتبرز هنا أبعاد اجتماعية وإنسانية واضحة في الإشارة إلى التهجير والهجير، وإلى من استمرأوا واقع الانكسار حتى غدا الخمول سلوكا مألوفا. ثم ينتقل النص إلى مراجعة الذات، حيث يعترف المتكلم بضيق نظرته وقبح فكرته إزاء الحالة التي يواجهها، وهي لحظة وعي نقدي تمنح القصيدة عمقا أخلاقيا، لأنها لا تكتفي بإدانة العالم، بل تضع الذات أيضا أمام مسؤولية رؤيتها وموقفها. وتنتهي الرحلة بنبرة أكثر إشراقا، حين يختار الشاعر الابتسامة بديلا عن الصراخ، والحوار بديلا عن الانفعال، في قوله «أستبدل الصراخ بالحوار»، وهي خاتمة تحمل موقفا فكريا وإنسانيا واضحا، وتؤكد أن الكلمة يمكن أن تكون منفذا للنجاة، وأن التعبير الواعي أقدر على مواجهة التشظي من الضجيج. وهكذا تتشكل القصيدة من شبكة من الرموز والصور المتداخلة، تجمع بين الذاتي والوجودي والاجتماعي، وتجعل من المربع المثقوب صورة للإنسان حين تنال منه الحياة، لكنه يظل قادرا على ترميم داخله بالأمل والحوار.
2. النقد والثناء: تمتلك القصيدة طموحا فكريا واضحا، وتكشف عن تجربة شعرية لا تتعامل مع اللغة باعتبارها وسيلة لنقل المعنى فحسب، بل باعتبارها فضاء للتأمل وإنتاج الدلالة. ومن أبرز مواطن قوتها ثراء الصور وتعدد مستويات القراءة، والقدرة على الانتقال من التجربة العاطفية إلى الهم الإنساني والاجتماعي دون التخلي عن وحدة الشعور العام. كما أن اختيار المربع المثقوب عنوانا يمنح النص مركزا رمزيا تتجمع حوله دلالات التشظي والاختلال والبحث عن منفذ، وهي فكرة موفقة وذات قابلية تأويلية واسعة. ومع ذلك، فإن كثافة الصور وتتابع الاستعارات في بعض المواضع، إلى جانب الانتقالات المفاجئة بين المشاهد، قد تجعل المتلقي بحاجة إلى التوقف لإعادة بناء الصلات بين الدلالات، كما أن بعض التراكيب تحتاج إلى مزيد من التكثيف والضبط اللغوي حتى تحتفظ الصورة بصفائها وقوتها. وكان من الممكن أن يمنح توزيع المقاطع وتخفيف بعض التراكمات التصويرية النص إيقاعا داخليا أكثر تماسكا. لكن هذه الملاحظات لا تنتقص من القيمة الفكرية للنص، بل تأتي في سياق القراءة التي ترى في المراجعة سبيلا إلى مزيد من النضج الفني. إن المستشار مضر سخيطه شاعر يمتلك حسّا تأمليا وخيالا خصبا، ويجيد استدعاء الرمز وتوظيف المفارقة في التعبير عن قلق الإنسان وأسئلته الكبرى، وتكشف هذه القصيدة عن عقل مشغول بقضايا الوجود والذاكرة والحرية والحوار. ولهذا فإن «مربع مثقوب» ليست مجرد تجربة وجدانية، بل محاولة شعرية لقراءة عالم مثقل بالثقوب، والبحث عن نافذة يطل منها الضوء. كل التقدير للشاعر والمفكر مضر سخيطه، على هذا المنجز الذي يؤكد أن الشعر الحقيقي لا يكتفي بوصف الجراح، بل يحاول أن يفتح أمام الإنسان طريقا للخروج منها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

ذكراكِ ألَمٌ بقلم سليمان كاااامل

ذكراكِ ألَمٌ بقلم // سليمان كاااامل ************************ وطافت بقلبي....الذكري التي رَفَعْتُ لها......راية استسلامي قديماً قُلتُ...........