بقلمي : د/علوي القاضي.
... وصلا بما سبق فقد لمسنا الغش التجاري الواضح في مطعم الفول والفلافل والإستغلال الواضح والجلي مع الأطباء بالذات
... النصب والغش لم يقتصر على من حولك من العمال والتجار ، فقد رأيت أكثر من صديق إبتاع أشياءا باهظة الثمن عن طريق التسوق بالتلفزيون أو النت ، مثل الأجهزة الكهربائية والصابون الذي يذيب الشحوم والإسبراي الذي يزيل أي خدوش في السيارات ، وقد كنا نعيش قبل صابون إذابة الشحوم ، ومن المؤكد أننا سنعيش بعده ، لكن خبراء الإعلانات عندهم القدرة على أن يقنعوا الناس أن حياتهم مستحيلة وأنهم يعيشون كالكلاب من دون هذا الصابون
... جرب صاحبي عبوة كاملة من الإسبراي الذي يزيل خدوشًا عن سيارته ، بلا أية نتيجة ، إتصل بالشركة فقالوا له إنه بحاجة لعبوة ثانية (إستمرارا في النصب) لأن سيارته (ميتالك) ، إبتاع العبوة الثانية ولم يحدث شيء ، هنا فقط أدرك أنهم فعلا نصابون ، لكنهم بالتأكيد جمعوا قدرًا لابأس به من المال من المغفلين أمثاله ، ولن يضيرهم في شيء أن يعرف كل الناس أنهم نصابون ، لإنهم سيبحثون عن طريقة نصب جديدة
... ويتجلى النصب مع بائع الفاكهة ، فتسأله عن الأسعار فيذكر لك في ثبات أرقامًا تعرف أنها الضعف ، هذا الرجل يرى من الحلال له أن يكسب الضعف بلا حق ، وأنا أخسر الضعف ، لمجرد أنه مولع بنفسه ولمجرد أنه هو ، بينما يمكنه أن يهاجمني لو كنت مكانه وحاولت العكس ، الفارق بين الشطارة في التجارة والسرقة واضح جدا
... تحاول أن تفاصل فيرفض في غلظة وقلة ذوق وتعالٍ وكأنه يقول لك ، إبتعد عني ولاتصدع رأسي
... وبهذا الأسلوب ينفض عنه الناس ونلاحظ أنه لايبيع تقريبًا منذ الصباح ، ومن الخير له أن يتنازل قليلاً عن جشعه كي يعود ببعض المال لأطفاله ، لكنه يفضل أن يموت جوعا على أن يكون سمحًا لأنه يجهل أنه (رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا إشترى وإذا إقتضى)
... لاينكر أحد أن هناك الكثير من التضخم والخلل الإقتصادي في بلادنا العربية ، لكن الجشع يلعب دورًا لابأس به كذلك ، لاأعني أن الغلاء ظاهرة نفسية ، لكن لا ننكر أن بعض السلع غالية لأن الكل يقول إنها غالية ، بعض الأسعار مرتفعة لأن الباعة يقولون إنها مرتفعة ويتعمدون ذلك
... كان هناك كاريكاتير رائع للفنان (مصطفى حسين) يظهر بائع الليمون الذي يعرض بضاعته في علب ألعاب قديمة ، بائع من نمط الأوغاد الذي يرفع حاجب (الإشمئناط) الأيسر ويكلم الزبون قائلاً : (أيوه اللمونة بجنيه ، ماتشوف سعر اللعبة كام ؟!)
... ونحن قد نقبل الغلاء مضطرًين ، لكني [كما في حالة طبق الفول] ، لا نقبل الغش ، مادمت قد دفعنا ثمن الخدمة فلابد أن نحصل على مقابل لها
... مثلا لو دفعت ثمن اللحم كاملاً ، فما معنى أن أنال بضعة كيلوجرامات من الدهن والشغت ؟!
... المشكلة أن هذه الظاهرة صارت القاعدة في بلادنا ، أنت لاتنال مقابل مالك أبدًا ، أنبوب معجون الأسنان ينتهي بعد ضغطتين لأنه يحتوي فقاعات هواء
... وفي مجال الدواء كلنا بخبراتنا كأطباء نعرف معجزات الدواء المغشوش ، وكيف يشرب المريض زجاجة دواء كاملة فلا يهدأ السعال لحظة ، وكيف يبتلع علبة أقراص كاملة فلا تنخفض حرارته درجة ، بينما نفس الدواء المستورد يصنع الأعاجيب ، وكلنا نعرف (المقويات) ومضادات الأكسدة التي تلتهم ميزانية المريض المزمن
... حتى الصابونة ينكمش حجمها في كل مرة أبتاعها فيها ، حتى كوب الشاي أضافوا له البيكربونات ليبدو لونه داكنا ويضيفوا له نشارة الخشب المصبوغة بلون الشاي ، ولم يكتفوا بذلك بل إستعملها الخبازون في صناعة الخبز بدلا من (الردة)
... فإذا صار الغش التجاري والمغالاة (ديناً ومنهجا) فعلى الأرض السلام ، هؤلاء ينطبق عليهم (إذا اكتالوا على الناس يستوفون) و (إذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون)
... دع أحد هؤلاء النصابين يتقاضى من المشتري (ثمن) دوائه التالف ، أو لحمته المشغتة ، أو فوله المخلوط بالخبز الجاف بـ (نقود مزورة) ، سوف يملأ الدنيا صراخًا عن الشرف ، وكيف إنعدم الضمير ، يقولها وهو يجر ذلك المشتري إلى أقرب قسم شرطة ويعامله كمجرم
... إذا ماالفرق بين مايفعله (مزور النقود) ويختلف أخلاقيًا عما يفعله (هؤلاء) ؟! ، كلاهما يريد كل شيء مقابل لا شيء
... الحقيقة أنني كلما فكرت في ماوصلنا إليه إزددت دهشة ، لماذا لانرحم أنفسنا ونلتزم بشرع الله ؟!
... وإذا كنا لا ننوي أن نطيع الله وننصاع إلى شرعه ومنهاجه ونتصرف بتحضر فلماذا لاتتدخل الحكومات بحزم وتضرب بعصا من حديد على أيدي هؤلاء الفسدة ؟!
... ولماذا لا نمنع هذا الشلال المتدفق من الغش التجاري والإستغلال الذي لايتوقف ؟!
... فمن لم يفزع بالقرٱن يفزع بالسلطان
... تحياتي ...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق