.. { ابن عزيزة وعزُّوز } رواية / رضا الحسيني ( 50)
ولا أحد منهم عرف كيف مر الوقت حتى وصلت الباخرة لميناء السويس ، ولم يكن أحد من أهل محفوظ يعلم بأنه في الطريق ، فقط كان حسن ابن خالته في بغداد هو الوحيد مع رفيقه محفوظ الزغلولي اللذان يعرفان بذلك ، ولكن لايعرفا بالضبط متى سيصل
وقف محفوظ على سطح الباخرة يتابع بمنتهى الشغف اللحظات التي تدخل فيها الباخرة لميناء السويس ، في رحلة المغادرة من هنا لم يستمتع محفوظ بهذا المشهد ، كانت عيونه تتجه وقتها نحو مياه الخليج والباخرة تبحر باتجاه العقبة ، كان اشتياقه للسفر يسيطر على عيونه وتفكيره وخياله ، أما الآن فبكل حواسه وقف يتأمل ويستمتع بهذا المشهد الساحر ، وظل هكذا حتى بدات الباخرة بالاقتراب أكثر وأكثر من رصيف الميناء ، وإذا به يلمح أمه عزيزة وأخته الصغرى سكينة تمسك بيدها بالقرب من مكان رسو الباخرة وهما بصحبة جاره عبد الباري زوج ابنة صاحب البيت الذي يسكن فيه محفوظ ، لم يصدق محفوظ مايراه ، وظل باندهاشه يتساءل مع نفسه ( من اخبرهم بالموعد ؟ كيف عرفوا أنه قادم ؟، هو نفسه لم يكن يعرف بالضبط متى سيصل للسويس فكيف عرفت أمه عزيزة ؟!) ، رفعت أخته يدها تشير لأخيها محفوظ :
_ محفوظ .. محفوظ
رفع يده لها مشيرا وهو مايزال باندهاشه ، ابتسامته لا تخلو من الدهشة ، عيونه مندهشة ، روحه مندهشة ، أمه لاتتركه وحده أبدا ولا تتركه حزينا ، دائما هي تحاول أن تعيده لنفسه حتى يصل لمبتغاها ويحقق هدفه ، وهو يدرك تماما أمرا صار واضحا له ، أحلامنا لاتتحقق فقط بقدراتنا ورغباتنا ، ولكن أيضا بقدرنا ، بالمكتوب لنا في قدرنا ، فنحن قد نمتلك رغبة جيدة وقدرة جيدة ولكن قد يتعارض هذا مع ماهو مكتوب لنا في قدرنا ، تماما مثل الإنجاب ، ولكنه بذات الوقت قد وعد أمه عزيزة من قبل بأن يحقق الحلم ويصل لمبتغاها ، أن يصبح حاصلا على الشهادة الجامعية ، وبذات الوقت أن ينجح ككاتب وشاعر
عندما عانقهم على ارض ميناء السويس كانت عربة كارو تحمل حقيبته وأمه وأخته للخارج بصحبة زوج ابنة صاحب بيتهم الذي يعمل مهندسا بالقناة ولديه ولدان أصغر من أخت محفوظ ، كان يومان عاشهما محفوظ على شط قناة السويس كفيلان بمحو كل آثار المتاعب التي عاشها على أسفلت الطريق المقابل لميناء العقبة خلال أكثر من عشرة أيام بأقل طعام
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق