الاثنين، 24 فبراير 2025

الحقيقة والسراب والوهم«(8)» بقلم علوي القاضي..

«(8)»الحقيقة والسراب والوهم«(8)»
رؤيتي : د/علوي القاضي..
... (الحقائق) تغمر حياتنا كلها ، والتي تختفي وراء مانعيشه من (سراب وزيف ووهم) ، هذه الحقائق تعطينا أحيانا مؤشرات وإشارات لتلفت أنظارنا للبحث عنها ، فمنا من يستجيب ، ومنا من لايحرك ساكنا مكتفيا بحياة السراب والوهم الذي يعيش فيها
... الطبيعة بجمالها كانت دائما ملهمة للبشر بسحرها ، والبحر أكثرها إلهاما ، وما أعجب مايبدو من سطح البحر من الهدوء والسكون وإرساله أمواجا هادئة ، ليوحي لنا بالسلام والإستقرار والأمان ، ويغازل الأدباء والكتاب والشعراء والفنانين والمحبين وصانعي الدراما ويستفزهم لإخراج مكنون أحاسيسهم ومشاعرهم وخبراتهم ناحيته ، من أدب وشعر ولوحات ومعان ودراما مفعمة بالحب والغزل
... ورغم ذلك فإن حقيقته تختلف تماما عما سبق ، فأعماقة على النقيض من سطحه ، فما أكثر مايخفى ذلك المظهر الهادئ الخادع صراع الموت والحياة وحالات الإحتضار في داخله 
... حيث في العمق نجد الحيتان وأسماك القرش والثعابين والأخطبوطات ، يأكل كبيرها صغيرها وقويها ضعيفها ، و يطارد بعضها بعضاً في سعار لاينتهي مايسمى بـ (غريزة البقاء)
... وياليت الأمر يكتفي بذلك في البحر ، ولكن كل ماتقدم يتجلى في البشر وأكثر ، فلافرق بيننا كبشر وبين البحر وهذه (سنة الحياة) وسنة الله في خلقه 
... ومن ذلك يبدو وجه أحدنا في المرآة هادئاً وديعاً صافياً ، وفي داخل نفسه وباطنه ، تصطرع الغيلان ، وتشتعل الرغبات ، وتتأجج الغرائز ، وتضطرم الأحقاد 
... فنحن كالبحر إذا تجاوزت الأعماق التي تصطرع فيها الحيتان ، وصلت إلى سكون القاع حيث الأصداف و الآلئ والمرجان 
... وكذلك نفسك إذا تجاوزت فيها منطقة الغرائز وصلت إلى منطقة الروح حيث أعماق الأعماق ، حيث ترفرف السكينة ويتلألأ ضياء الحكمة ، و تنفجر المحبة صافية من بين يدي الخالق الرحيمتين 
... وبهذه الحكمة يقول لنا الخالق أنه قريب ، قريب جداً ، وأقرب إلينا من حبل الوريد 
... وكما عرفنا أن الكذب من أسلحة السراب والوهم والكذب ، ولم يترك الكذب مجالا إلا وكان له من الإهتمام نصيب
... ففي الأدب والشعر نجد أكذب بيت شعر وأصدق بيت في آن واحد يقول الشاعر المتنبي :
.. بعيني رأيت الذئب يحلب نملة *** ويشرب منها رائباً وحليبا
... المعنى كله كذب ، ولكن واقعه كله صدق ، ولتفسير ذلك يقول المتنبي : أما من حيث أنه (أكذب بيت) لأن الذئب لايعرف كيفية الحليب وأصلا النملة ليست بالحلوب ، أما وأنه (أصدق بيت) من الشعر ، يقول المتنبي أنه كان مرة في أحد الأسواق ، بجوار إمرأة فقيرة تبيع السمك ، فجاءها رجل فاحش الغنى ومتكبر فسألها : بكم رطل السمك ؟! فقالت المرأة : بخمسة دراهم ياسيدي ، فقال الغني : بل بدرهم فقالت ياسيدي : السمك ليس لي وأنا لاأستطيع أن أبيعه إلا بخمسة ، فقال الغني :
أعطني عشرة أرطال ، وفرحت المرأة وظنت أنه سيعطيها خمسين درهماً ، ولما أعطته السمك أخذه ورمى لها عشرة دراهم وانصرف ، فنادته المرأة : وهي تبكي فلم يرد عليها فناداه المتنبي أيضاً ، فلم يرد عليه ، لذلك قال هذا البيت من الشعر 
... فقصد الذئب هو الغني وأن النملة هي بائعة السمك الفقيرة ما أجملها من صورة شعرية ، وما أشبهها بعصرنا هذا 
... وجدت كتاب (السراب) ، لـ (نجيب محفوظ) ولما قرأت فيه قليلا تعجبت ماعلاقة قصته بالعنوان (السراب) ! فالكتاب يتكلم عن ، إنسان يعاني من أمراض نفسية ، خجول ، تمر به أحداث وظروف أغلب البشر يمرون بها ، الروعة في وصف نجيب محفوظ للمشاعر المضطربة للشخصية في المواقف المتنوعة ، واستخدام جمل وكلمات توصل المعنى بدقة شديدة نًدُر من يكتب مثلها ، وأكثر مايجعل الرواية قيّمةً ، هو إبراز التناقض في الإنسان ، يشمئز من أبيه لشربه الخمر وهو لايجد سعادته وثقته بنفسه إلا في شرب الخمر ! ، وتكلم عن نهايته الحتمية ، والصدفة التي جعلته يصل لها هنا 
... وتكلم عن المشاعر المختلفة من عطف الجد وتعلق الأم به ، وقسوة الأب ، والعاطفة ، والحب ، والنشوة ، والخوف ، والخجل ، والفشل
... وفي النهاية تنتهي حياة الإنسان كسرابٍ لم يكن له وجود
... وحينما سألته أمه ، كيف ماتت زوجته فيجيبها ، ماتت كما مات جده وأبيه وكما سيموتوا جميعا !
... وإلى لقاء في الجزء التاسع إن قدر لنا ذلك وقدرت لنا الحياة
... تحياتي ...


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

أحملُ قلبي بين يديَّ بقلم شمس البارودي

أحملُ قلبي بين يديَّ لا جسدٌ لي غيرُ هذا الضوء ولا دفءَ لي غيرُ هذا النبض أنا شفافٌ كالحقيقة باردٌ كزمنٍ بلا ملامح لكن قلبي… أحمرُ كاعترافٍ ...