رؤيتي : د/علوي القاضي..
... (الحقائق) تغمر حياتنا كلها ، والتي تختفي وراء مانعيشه من (سراب وزيف ووهم) ، هذه الحقائق تعطينا أحيانا مؤشرات وإشارات لتلفت أنظارنا للبحث عنها ، فمنا من يستجيب ، ومنا من لايحرك ساكنا مكتفيا بحياة السراب والوهم الذي يعيش فيها
... الطبيعة بجمالها كانت دائما ملهمة للبشر بسحرها ، والبحر أكثرها إلهاما ، وما أعجب مايبدو من سطح البحر من الهدوء والسكون وإرساله أمواجا هادئة ، ليوحي لنا بالسلام والإستقرار والأمان ، ويغازل الأدباء والكتاب والشعراء والفنانين والمحبين وصانعي الدراما ويستفزهم لإخراج مكنون أحاسيسهم ومشاعرهم وخبراتهم ناحيته ، من أدب وشعر ولوحات ومعان ودراما مفعمة بالحب والغزل
... ورغم ذلك فإن حقيقته تختلف تماما عما سبق ، فأعماقة على النقيض من سطحه ، فما أكثر مايخفى ذلك المظهر الهادئ الخادع صراع الموت والحياة وحالات الإحتضار في داخله
... حيث في العمق نجد الحيتان وأسماك القرش والثعابين والأخطبوطات ، يأكل كبيرها صغيرها وقويها ضعيفها ، و يطارد بعضها بعضاً في سعار لاينتهي مايسمى بـ (غريزة البقاء)
... وياليت الأمر يكتفي بذلك في البحر ، ولكن كل ماتقدم يتجلى في البشر وأكثر ، فلافرق بيننا كبشر وبين البحر وهذه (سنة الحياة) وسنة الله في خلقه
... ومن ذلك يبدو وجه أحدنا في المرآة هادئاً وديعاً صافياً ، وفي داخل نفسه وباطنه ، تصطرع الغيلان ، وتشتعل الرغبات ، وتتأجج الغرائز ، وتضطرم الأحقاد
... فنحن كالبحر إذا تجاوزت الأعماق التي تصطرع فيها الحيتان ، وصلت إلى سكون القاع حيث الأصداف و الآلئ والمرجان
... وكذلك نفسك إذا تجاوزت فيها منطقة الغرائز وصلت إلى منطقة الروح حيث أعماق الأعماق ، حيث ترفرف السكينة ويتلألأ ضياء الحكمة ، و تنفجر المحبة صافية من بين يدي الخالق الرحيمتين
... وبهذه الحكمة يقول لنا الخالق أنه قريب ، قريب جداً ، وأقرب إلينا من حبل الوريد
... وكما عرفنا أن الكذب من أسلحة السراب والوهم والكذب ، ولم يترك الكذب مجالا إلا وكان له من الإهتمام نصيب
... ففي الأدب والشعر نجد أكذب بيت شعر وأصدق بيت في آن واحد يقول الشاعر المتنبي :
.. بعيني رأيت الذئب يحلب نملة *** ويشرب منها رائباً وحليبا
... المعنى كله كذب ، ولكن واقعه كله صدق ، ولتفسير ذلك يقول المتنبي : أما من حيث أنه (أكذب بيت) لأن الذئب لايعرف كيفية الحليب وأصلا النملة ليست بالحلوب ، أما وأنه (أصدق بيت) من الشعر ، يقول المتنبي أنه كان مرة في أحد الأسواق ، بجوار إمرأة فقيرة تبيع السمك ، فجاءها رجل فاحش الغنى ومتكبر فسألها : بكم رطل السمك ؟! فقالت المرأة : بخمسة دراهم ياسيدي ، فقال الغني : بل بدرهم فقالت ياسيدي : السمك ليس لي وأنا لاأستطيع أن أبيعه إلا بخمسة ، فقال الغني :
أعطني عشرة أرطال ، وفرحت المرأة وظنت أنه سيعطيها خمسين درهماً ، ولما أعطته السمك أخذه ورمى لها عشرة دراهم وانصرف ، فنادته المرأة : وهي تبكي فلم يرد عليها فناداه المتنبي أيضاً ، فلم يرد عليه ، لذلك قال هذا البيت من الشعر
... فقصد الذئب هو الغني وأن النملة هي بائعة السمك الفقيرة ما أجملها من صورة شعرية ، وما أشبهها بعصرنا هذا
... وجدت كتاب (السراب) ، لـ (نجيب محفوظ) ولما قرأت فيه قليلا تعجبت ماعلاقة قصته بالعنوان (السراب) ! فالكتاب يتكلم عن ، إنسان يعاني من أمراض نفسية ، خجول ، تمر به أحداث وظروف أغلب البشر يمرون بها ، الروعة في وصف نجيب محفوظ للمشاعر المضطربة للشخصية في المواقف المتنوعة ، واستخدام جمل وكلمات توصل المعنى بدقة شديدة نًدُر من يكتب مثلها ، وأكثر مايجعل الرواية قيّمةً ، هو إبراز التناقض في الإنسان ، يشمئز من أبيه لشربه الخمر وهو لايجد سعادته وثقته بنفسه إلا في شرب الخمر ! ، وتكلم عن نهايته الحتمية ، والصدفة التي جعلته يصل لها هنا
... وتكلم عن المشاعر المختلفة من عطف الجد وتعلق الأم به ، وقسوة الأب ، والعاطفة ، والحب ، والنشوة ، والخوف ، والخجل ، والفشل
... وفي النهاية تنتهي حياة الإنسان كسرابٍ لم يكن له وجود
... وحينما سألته أمه ، كيف ماتت زوجته فيجيبها ، ماتت كما مات جده وأبيه وكما سيموتوا جميعا !
... وإلى لقاء في الجزء التاسع إن قدر لنا ذلك وقدرت لنا الحياة
... تحياتي ...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق