الثلاثاء، 29 يوليو 2025

العنوان الأدبي نافذة تطل على الأثر الإبداعي بقلم محمد المحسن

 العنوان الأدبي

نافذة تطل على الأثر الإبداعي


تصدير : عناية المبدعين (وبخاصة الشعراء) بالعناوين أمر ظاهر،حتى أن كثيراً من الشعراء يطلبون مني أن أضع لهم أسماء لقصائدهم,أو مجموعاتهم الشعرية،مع أني أستغرب كيف يكتب شاعر ديوانه ولا يعرف كيف يختار العنوان..!! ( الكاتب)


يكتسي العنوان أهمية بالغة مع انتشار الطباعة ودخول المجتمعات مرحلة الحداثة الثقافية، وازدادت هذه الأهمية مع انتشار مجموعة من الأبحاث والدراسات التي حاولت أن تقارب إشكالية العنوان،وما تثيره على المستوى النظري والإجرائي،باعتبار أن لحظة قراءة العنوان مرحلة مهمة في العبور إلى قراءة النص وفهمه واستيعابه..

 ومما لا شك فيه أن احتقار اللحظة العنوانية وعدم تجشم قراءة العنوان بما تقتضيه من الاهتمام الكافي،والتركيز الشديد،قد يقود إلى فهم خاطئ لكلية النص،لذلك اتجهت هذه الدراسات والبحوث إلى دراسة العنوان كنص مستقل بذاته،ومن هذه البحوث دراستا ليو هوك Leo hoek: (نوعية العنوان La marque du titre،وسيميولوجيا العنوان La sémiotique du titre،بالإضافة إلى ما جاء به جيرار جنيث في الموضوع في كتابه معمار النص.

يتحدث جيرار جنيث في كتابه معمار النص عن العنوان باعتباره نصا صغيرا يختزل ويختصر النص الكبير،هذه الاستقلالية تقود إلى اعتبار العنوان وخاصة العنوان الشعري بنية لغوية يتركب من مفردات ينبغي دراستها تركيبيا ودلاليا للوصول إلى المرامي التي يتغيا الشاعر إبلاغها..

هذا العنوان يتمظهر من خلال خطوط يمكن قراءتها سيميائيا على المستوى الخطي الكاليغرافي،وكذلك حيزه على مستوى الصفحة،بالإضافة إلى المرجعيات الثقافية والاجتماعية والإديولوجية التي يحيل عليها،بما يجعله بؤرة تختزل النص بكامله،إن احتقار اللحظة العنوانية، والقفز عليها،وعدم الاحتفال بها،يخفي العديد من القضايا المتصلة بمجال الأدب نظريا وتطبيقيا، فالعنوان-حسب ليو هوك Leo hoek-ليس فقط هو أول ما نلاحظ من الكتاب/ النص في (شكله المادي)،ولكنه عنصر سلطوي منظم للقراءة، ولهذا التفوق تأثيره الواضح على كل تأويل ممكن للنص..

وإذن ؟

العنوان إذا،هو النبراس الذي يضيء فضاء النص،ويساعد على استكشاف أغواره،فيكون العنوان بكل ذلك ضرورة كتابية تساعد على اقتحام  عوالم النص،لأن المتلقي يدخل إلى "العمل" من "بوابة" العنوان" متأولا له،وموظفا خلفيته المعرفية في استنطاق دواله الفقيرة عددا وقواعد تركيب وسياقا،وكثيرا ما كانت دلالية هي ناتج تأويل عنوانه،أو يمكن اعتبارها كذلك دون إطلاق " كما يأخذ العنوان أهميته من كونه علامة كاملة تحمل دالا ومدلولا "

على الرغم من أن العنوان نص مختصر مقلص،فإنه يلعب دورا هاما وحاسما في الأعمال الأدبية خاصة وفي الأعمال الفنية عامة.فهو جزء لا يتجزأ من عملية ابداع الكاتب للعمل.

كما أنه يلعب دورا مركزيا في عملية إنتاج القارئ لمعنى العمل ودلالاته ويقوم ويقوم بوظائف متعددة ومتنوعة..

وتبرز أهمية العنوان في الأدب الحديث بصورة عامة وفي الشعر الحديث بصورة خاصة،اللذين لم يعد فيهما العنوان مجرد مرشد للعمل،يمر عليه القارئ مرورا سريعا متوجها إلى النص،وإنما أصبح جزءا من المبنى الإستراتيجي للنص..

وهنا أضيف : تتبارى دور النشر بالاهتمام بجماليات العتبات الأولى للكتب الصادرة عنها، وتشتمل هذه العتبات على الغلاف والعنوان والاهداء والنبذة التعريفية بالمؤلف وما إلى ذلك.

هذا الاهتمام بالعتبات الأولى جعل المتلقي يقرأها قراءة نقدية تحليلية بوصفها المرشدة الى متن النص ،مما دفع النقاد إلى تأمل العتبات الأولى وتحليلها وربطها بالمتن النصي.

ويعد العنوان من أهم العتبات النصية الموازية المحيطة بالنص الرئيس،حيث يساهم في توضيح دلالات النص ،واستكشاف معانيه الظاهرة والخفية ان فهما وأن تفسيراً وأن تفكيكاً وان تركيباً. ومن ثم فالعنوان هو المفتاح الضروري لسبر أغوار النص،والتعمق في شعابه التائهة، والسفر في دهاليزه الممتدة.

والعنوان هو الأداة التي يتحقق بها اتساق النص وانسجامه،وبها تبرز مقروئية النص،وتنكشف مقاصده المباشرة وغير المباشرة. 

في ضوء ذلك يرى البعض أن النص هو العنوان،والعنوان هو النص،وبينهما علاقات جدلية وانعكاسية،أو علاقات تعيينية أو إيحائية،أو علاقات كلية أو جزئية.

ولعل عناية كل من جيرار جينيت وليوهوك وكلود دوشي وجون مولينو وروبرت شولز وجون كوهين..بالعنوان أسس-حقيقة-لما يسمى اليوم بعلم العنونة حتى أخـــذ النقــــــــاد  يستنطقون البعد السيميائي في تحليل العلاقة الجدلية بين العنوان في قمة الهرم،وبين البنيات المشكلة لمتن الهرم،اتكاءً على ما خلفته دراسات فرانسوا فروري وأندري فونتانا  وشارل جريفال.

أما عناية المبدعين (وبخاصة الشعراء) بالعناوين فأمر ظاهر،حتى أن كثيراً من الشعراء يطلبون مني أن أضع لهم أسماء لقصائدهم ،أو مجموعاتهم الشعرية،مع أني أستغرب كيف يكتب شاعر ديوانه ولا يعرف كيف يختار العنوان..!! فأهمية العنوان وخطورته،تضطر الشعراء-المبتدئين منهم خاصة-إلى الوقوف مطولاً أمام عناوين النصوص قبل اختيار أي عنوان.

وأرجو..أن يستوعب المبدعون والمبدعات رسالتي جيدا.


محمد المحسن


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

أحملُ قلبي بين يديَّ بقلم شمس البارودي

أحملُ قلبي بين يديَّ لا جسدٌ لي غيرُ هذا الضوء ولا دفءَ لي غيرُ هذا النبض أنا شفافٌ كالحقيقة باردٌ كزمنٍ بلا ملامح لكن قلبي… أحمرُ كاعترافٍ ...