شرود الذهن إبداع أم ضياع 2
بقلمي : د/ علوي القاضي
... لي صديق ، كثيرًا ما كان شاردَ الذهن ، سائحَ البال ، طويلَ التفكير والفكرة ، عديمَ الشعور بما حولَه ، سواء (حركة أو صوتٍ أو صُوَرة) ، وكنت في قمة الدَّهشة والغَرابة حينما أرى سُرعةَ رُجوعِه من حالِته ، (حيثُ تَعصِف في عقلِه الأفكار وتضْطَرم في قلبِه العواطف) إلى حياةِ من حوله ، في نفس اللحظةِ التي أنادَى عليه بإسمِه أو أتَوَجَّهُ إليه بالخطاب ، يُلَبِّي دعوتي ويُجيب سؤالي ويَخوض معي ألوانًا من الحديث ، حتَّى يظن الجاهلُ لأمرِه المُتسرِّعُ في حكمِه ، أنَّه كان يَدَّعي (شرودَ الذهن) ويُوهِمُ من حوله بسِياحة البال ، أمَّا أنا فكنت (أعلمُ بأمرِه متأمِّل في شأنِه) ، لأني أعلمُ أنَّ صاحبي عنده القدرة النفسية والذهنية التي تنحه القدرة أن يَعيشُ في زمنين ، ويَسيح في أرضين ، ويُجالس صُحْبَتَيْن ، ويَحيَا حياتين ، ولم أتمنى يوما أن يَهَبَني الله هذه الموهبة ، ولا أنْ يمنحني هذه القدرة ، لأنه ليس في ذلك خيرٍ ، فصاحبِي كان ممزقٌ كِيانُه بين عالَميْن ، تَراهما بَصيرتُه ولا يَراهما بَصَرُه ، ويَحياهما قلبُه ولا تَحياهما جوارحُه
... ومن قصص المشاهير بشرود الذهن قصة العالم (توماس أديسون) الذي لم يحضر حفل زفافه ، والسبب هو أنه إنشغل في المختبر بتجربة ، وقد بحثوا عنه كثيراً ، واتضح أنه كتب موعد الزفاف في مفكرته لكنه نسيه ! ، لا أعرف ما قاله لعروسه في تلك الليلة الليلاء ، لكن التاريخ يؤكد تمام زفافه
... ولا ننسى (إسحق نيوتن) عالم الرياضيات ، الذي كان جالساً قرب المدفأة ، لكنه لم يشعر بالدفء ، وبسبب شروده فطلب من خادمه أن ينزع المدفأة من الجدار ويقربها منه ، فقال له الخادم ، لماذا لا يقوم سيدي بتقريب مقعده من النار ؟! ، هنا نيوتن أفاق وشهق ، وأعلن أن خادمه عبقري حاضر الذهن فعلاً !
... والقصة الأغرب هي ، (تشسترتون) الكاتب المسرحي البريطاني الشهير الذي وقف في طابور مكتب البريد ، فلما بلغ الشباك إكتشف أنه نسي إسمه ! ، وكان أول ما قاله للموظف المذهول ، معذرة يا سيدي ، لكن هل تعرف إسمي ؟! ، ولكم أن تتصوروا رد فعل الموظف
... شرود ذهن العباقرة أمر معروف للجميع ، وإن كان يسبب الدهشة أولاً ، وكثيراً ما يدفع الناس إلى إعتبار أن العبقري بسببه يعاني من (الخبال) أو (الجنون) ، لكنهم بعد ذلك يقبلونه باحترام ، وأنا أؤمن أن شرود الذهن لا يدل على العبقرية في كل الظروف ، بل قد يدل على عقل خاو تماماً
... وباعتباري من الذين يمكن أن يعتريهم شرود الذهن كعامة البشر ، فإنني أقر وأعترف أن أغلب الأوقات التي شوهدت فيها شارداً لم يكن في رأسي غير مشكلة إجتماعية أو علمية أو أدبية ، والناس تنظر لي في إحترام ، وتنتظر مني مقالا أدبيا أو موضوعا طبيا أو قصة عبقرية
... وإلى لقاء في الجزء الثالث والأخير
... تحياتي ...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق