الأحد، 3 أغسطس 2025

شرود الذهن إبداع أم ضياع 2 بقلم علوي القاضي

شرود الذهن إبداع أم ضياع 2

بقلمي : د/ علوي القاضي

... لي صديق ، كثيرًا ما كان شاردَ الذهن ، سائحَ البال ، طويلَ التفكير والفكرة ، عديمَ الشعور بما حولَه ، سواء (حركة أو صوتٍ أو صُوَرة) ، وكنت في قمة الدَّهشة والغَرابة حينما أرى سُرعةَ رُجوعِه من حالِته ، (حيثُ تَعصِف في عقلِه الأفكار وتضْطَرم في قلبِه العواطف) إلى حياةِ من حوله ، في نفس اللحظةِ التي أنادَى عليه بإسمِه أو أتَوَجَّهُ إليه بالخطاب ، يُلَبِّي دعوتي ويُجيب سؤالي ويَخوض معي ألوانًا من الحديث ، حتَّى يظن الجاهلُ لأمرِه المُتسرِّعُ في حكمِه ، أنَّه كان يَدَّعي (شرودَ الذهن) ويُوهِمُ من حوله بسِياحة البال ، أمَّا أنا فكنت (أعلمُ بأمرِه متأمِّل في شأنِه) ، لأني أعلمُ أنَّ صاحبي عنده القدرة النفسية والذهنية التي تنحه القدرة أن يَعيشُ في زمنين ، ويَسيح في أرضين ، ويُجالس صُحْبَتَيْن ، ويَحيَا حياتين ، ولم أتمنى يوما أن يَهَبَني الله هذه الموهبة ، ولا أنْ يمنحني هذه القدرة ، لأنه ليس في ذلك خيرٍ ، فصاحبِي كان ممزقٌ كِيانُه بين عالَميْن ، تَراهما بَصيرتُه ولا يَراهما بَصَرُه ، ويَحياهما قلبُه ولا تَحياهما جوارحُه

... ومن قصص المشاهير بشرود الذهن قصة العالم (توماس أديسون) الذي لم يحضر حفل زفافه ، والسبب هو أنه إنشغل في المختبر بتجربة ، وقد بحثوا عنه كثيراً ، واتضح أنه كتب موعد الزفاف في مفكرته لكنه نسيه ! ، لا أعرف ما قاله لعروسه في تلك الليلة الليلاء ، لكن التاريخ يؤكد تمام زفافه 

... ولا ننسى (إسحق نيوتن) عالم الرياضيات ، الذي كان جالساً قرب المدفأة ، لكنه لم يشعر بالدفء ، وبسبب شروده فطلب من خادمه أن ينزع المدفأة من الجدار ويقربها منه ، فقال له الخادم ، لماذا لا يقوم سيدي بتقريب مقعده من النار ؟! ، هنا نيوتن أفاق وشهق ، وأعلن أن خادمه عبقري حاضر الذهن فعلاً !

... والقصة الأغرب هي ، (تشسترتون) الكاتب المسرحي البريطاني الشهير الذي وقف في طابور مكتب البريد ، فلما بلغ الشباك إكتشف أنه نسي إسمه ! ، وكان أول ما قاله للموظف المذهول ، معذرة يا سيدي ، لكن هل تعرف إسمي ؟! ، ولكم أن تتصوروا رد فعل الموظف 

... شرود ذهن العباقرة أمر معروف للجميع ، وإن كان يسبب الدهشة أولاً ، وكثيراً ما يدفع الناس إلى إعتبار أن العبقري بسببه يعاني من (الخبال) أو (الجنون) ، لكنهم بعد ذلك يقبلونه باحترام ، وأنا أؤمن أن شرود الذهن لا يدل على العبقرية في كل الظروف ، بل قد يدل على عقل خاو تماماً 

... وباعتباري من الذين يمكن أن يعتريهم شرود الذهن كعامة البشر ، فإنني أقر وأعترف أن أغلب الأوقات التي شوهدت فيها شارداً لم يكن في رأسي غير مشكلة إجتماعية أو علمية أو أدبية ، والناس تنظر لي في إحترام ، وتنتظر مني مقالا أدبيا أو موضوعا طبيا أو قصة عبقرية

... وإلى لقاء في الجزء الثالث والأخير

... تحياتي ...


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

أحملُ قلبي بين يديَّ بقلم شمس البارودي

أحملُ قلبي بين يديَّ لا جسدٌ لي غيرُ هذا الضوء ولا دفءَ لي غيرُ هذا النبض أنا شفافٌ كالحقيقة باردٌ كزمنٍ بلا ملامح لكن قلبي… أحمرُ كاعترافٍ ...