ثمّة حوارٌ في الطرف الآخر من الوجود
يسمعه من يعرف أنّ للأشياء لغة
جلس المد والجذر متقابلين
كأخوين افترقنا طويلا..
ثمّ التقيا على نور القمر المتأمل
قال المد وهو يرفع صدر البحر..
كمن يجر الذاكرة معه..
إنني اتقدم كلما ضاق الصدر بي..
باحثاً عن كتف من الرمال استريح عليه
جئت كي أقول للكون..
مازال في الكون اتساع للمحبة
رد الجذر وهو يعود إلى الأعماق ببطء شديد
وأنا حين أنسحب أُعلم العالم أن الإمتلاء لا يدوم
وأنّ فقدان الأشياء ليست هزيمة
فربما هي فرصة لإلتقاط الأنفاس
أنحسر لأكشف ما كان مستوراً
وأمنح الأشياء فرصة أن تُرى كما هي
إبتسم المد قائلاً..
أنا أتقدم لأعيد ما أخذك.. فالزمن عندي..
خطوة نحو العناق
أجاب الجذر بابتسامة أعمق..
وأنا أعود لأُذكرك..
أنّ العناق لا يكتمل إلا بمسافة يشتاق فيها القلب
ثم صمتا طويلا..
صمت لو مر علي قلب مثقل لخف حمله
ولو مر علي روح شاحبة لملأها نوراً
قال المد أخيراً بصوتٍ كالتلاوة
لولاك أيها الجذر ما عرف البحر معنى التواضع
حين أراك تنحسر...
أدرك ان الإرتفاع الحقيقي لم يكن في بلوغ الشاطئ
الإرتفاع يا صديقي.. هو العودة للذات
قال الجذر كمن يعترف بسر
ولولاك أيها المد.. ماعرف البحر معنى الشوق
حين تمتلئ أنت.. أدرك أنّ الإمتلاء نعمة لا تهدر
وأنّ الرجوع هو صورة أخرى للتقدم.
هكذا...
علّم المد والجذر درساً للعالم لم ينتبه إليه البشر..
أنّ الحياة ليست صعوداً دائماً أو هبوطاً دائماً
الحياة حركة بين قلب يقترب.. وقلبٍ يعود
بين رغبةٍ تهفو.. ورهبةٍ تتأني
وأنّ الجمال الحقيقي يحدث..
عندما يلتقي الطرفان دون خصومة ولا خوف
الجمال الحقيقي يعلم الدنيا
أنّ ما يأتي.. جاء ليمس الروح
وأنّ ما يرحل.. ذهب ليحفظها
حنان الجوهري
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق