والفن والفلسفة
دراسة وتحليل : د/علوي القاضي .
... من خلال تعليقات الأصدقاء والمتابعين على أعمالى وإصداراتي لاحظت عدة تعليقات ، رغم جمالها وماتوحي به من معنى جميل وشيق وما تنم به عن فرط من الإعجاب والمحبة ، إلا أنها إستوقفتني كثيرا مما جعلني أبحث عنها وأدرسها وأعلق عليها منهجيا وعلميا ، ومن هذه التعليقات ، قال أحدهم (طبيب بين الأدباء وأديب بين الأطباء) وقال ٱخر (ياطبيب الفلاسفة وفيلسوف الاطباء) ، وقال ثالث (ياللعجب طبيب وفنان ؟!) ، فهل هناك ثمة علاقة بين (الطب) من ناحية وبين (الفلسفة والأدب والفن) من ناحية أخرى ؟! ، هذا ما سأجيب عليه في الأجزاء القادمة من الناحية العلمية والفلسفية
... كل هذه المسميات تُشير إلى التميز والتفرد في عدة مجالات مختلفة ، وتُستخدم عادةً لوصف الشخص الذي يجمع بين العلم (الطب) و (الفن) و (الأدب) و (الفلسفة) ، فمثلا (طبيب بين الأدباء) تعني أن هذا الشخص عندما يتواجد في وسط المجالس الأدبية والثقافية ، يبرز بصفته صاحب علم تخصصي وخلفية طبية وعلمية دقيقة تمنحه نظرة مختلفة ومنطقية ، و (أديب بين الأطباء) ، تعني أنه عندما يتواجد في وسط من الأوساط الطبية والعلمية ، يبرز بامتلاكه لغة بليغة ، وحساً إبداعياً ، وقدرة على التعبير لا يمتلكها عادةً المشتغلون بالعلوم البحتة بالمجمل ، وتعني الجملة أيضا أنه يمتلك أفضل ما في العالمين ، فهو يداوي الأبدان بعلمه ، ويداوي الأرواح بأدبه ، ولذلك فهو يتمتع بمكانة مرموقة في كلا الحقلين بسبب هذا التمازج ، ومن أشهر من أُطلقت عليهم هذه الأوصاف في التراث العربي والحديث ، د/يوسف إدريس ، د/إبراهيم ناجي ، ود/مصطفى محمود ، ود/أحمد خالد توفيق
... وقد توحي عبارة (طبيب بين الأدباء وأديب بين الأطباء) أن هذا الشخص يجمع بين مهنتين أو مجالين (متناقضين) ظاهرياً ، فالطبيب الذي يمتلك موهبة أدبية رفيعة ، يصف ٱلام الناس ومعاناتهم بعمق إنساني وفهم أدبي ، مستفيداً من خبرته الطبية في إبراز التفاصيل الإنسانية والمعاناة الجسدية والروحية ، فيكون أديباً بين الأطباء ، وطبيباً بين الأدباء ، ويُعرف بـ (الطبيب الأديب) ، وهو طبيب يتمتع بحس إنساني عالٍ ومهارة في التعبير ، يفهم معاناة الناس العميقة ويوصلها بأسلوب أدبي ، فيكون قادراً على تشخيص ألم الروح كما يشخص ألم الجسد ، ويكتب بلمسة فنية وكذلك هو أديب يستقي من خبرته كطبيب ، ويستخدم المصطلحات الطبية أو المواقف السريرية في كتاباته ، فيضيف عمقاً علمياً وواقعياً لأعماله الأدبية ، مما يجعله مميزاً عن غيره من الأدباء
... قد يسأل أحدنا لماذا هذه الظاهرة موجودة ؟! ، وما أوجه التقاطع بين الطب والأدب ؟! والإجابه أن ، ★ كلاهما يتعامل مع الإنسان ومعاناته ، فالطبيب يعالج الجسد والأديب يعالج الروح ، وكلاهما يحتاج إلى الملاحظة الدقيقة والتعاطف ، ★ كذلك إكتشاف الذات فكثير من الأطباء يجدون في الأدب متنفساً للتعبير عن المشاعر والأفكار التي تفرضها طبيعة عملهم ، كما يقول (د . منير لطفي) ، أن ظاهرة (الأطباء الأدباء) معروفة في التراث العالمي ، وهذا الاتجاه يبين أن الإنسان (روحًا وجسدًا) وحدة واحدة ، مثل (تشيخوف) ، وآخرون أطباء وأدباء في آن واحد ، وهذا يثري الأدب بمعلومات طبية دقيقة وشخصيات واقعية ومعقدة ، كما يضيف أن للطبيب بعداً إنسانياً وفنياً ، فالداء والدواء بين الأطباء والأدباء ، وأشار الدكتور (حسان باشا) إلى وجود علاقة متجسدة بين الطب والأدب ، وهي التي تربط بين هاتين المهنتين إن جاز التعبير ، يتجسد في الإحساس ، فالطبيب يحس بآلام الناس ويحاول معالجتها
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق