حين تتكاثر العواصف، وتضيق السبل، وتتبعثر الأمة بين نزاعاتها.
لا يبقى أمام المسلمين إلا ملاذٌ واحد، وحصنٌ لا يُقهر: هو الاعتصام بحبل الله.
والاعتصام ليس شعارًا يُرفع، ولا آيةً تُتلى بلا أثر، فهو ميثاق حياة، وعهد نجاة، وطريق وحدةٍ لا يضل من سار فيه.
قال تعالى:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾
سبحانه جعل الاعتصام أمرًا، وجعل الاجتماع شرطًا، وجعل التفرّق سبب الهلاك.
إن حبل الله ليس حبلًا يُرى بالعين، بل نورٌ يُمسك بالقلب، ومنهجٌ يُحتضن بالعقل، وقيمٌ تُترجم سلوكًا وعدلًا ورحمة. هو القرآن الذي يجمع ولا يُفرّق، ويبني ولا يهدم، ويوقظ الضمائر حين تنام.
ما تمزقت أمة الإسلام إلا يوم أفلتت ايديها من يد الله الحبل المتين، واستبدلت الأخوّة بالخصومة، والرحمة بالقسوة، والحوار بالصراع.
فصار الأخ خصمًا، والجار عدوًا، وتحوّل الخلاف إلى نارٍ تحرق الجميع بلا استثناء.
والاعتصام بحبل الله لا يتحقق إلا حين نُدرك أن وحدتنا ليست خيارًا سياسيًا، بل فريضة شرعية، وأن التراحم ليس ضعفًا، بل قمة القوة. يوم يشعر المسلم بألم أخيه كأنه ألمه، وبجرحه كأنه في قلبه، حينها فقط تُبعث الأمة من ركامها ويعود إليها صوابها.
إن أمتنا اليوم لا ينقصها العدد ولا الموارد، بل ينقصها الصدق مع الله، والعودة الجادة إلى قيم الإسلام الأولى: العدل، والأمانة، والتسامح، وحسن الظن، ونبذ العصبية والفرقة. فبالأخلاق والالتزام بالقيم قبل الشعارات تُبنى الأوطان، وبالوحدة قبل السلاح تُصان الكرامات.
فلنمد أيدينا إلى حبل الله لا خوفًا من السقوط فحسب، بل طمعًا في الرفعة. ولنجعل اختلافنا تنوّعًا لا صراعًا، ورأينا جسرًا لا سكينًا، وكلمتنا واحدة لا خلاف عليها
فالاعتصام بحبل الله ليس نجاة فرد، بل خلاص أمة…
ومن ترك حبل الله، سقط، ولو ظن أنه واقف.
ا.د.آمنة ناجي الموشكي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق