الخميس، 19 فبراير 2026

فَلْسَفَةُ المَحَبَّةِ وَأَبْعَادُ الِانْفِتَاحِ فُؤَاد زَادِيكي

 فَلْسَفَةُ المَحَبَّةِ وَأَبْعَادُ الِانْفِتَاحِ

الشَّاعِر السُّورِيِّ فُؤَاد زَادِيكي


تُعَدُّ المَحَبَّةُ الرَّكِيزَةَ الأُولَى الَّتِي يَقُومُ عَلَيْهَا بِنَاءُ الكَوْنِ الأَخْلَاقِيِّ، فَهِيَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ شُعُورٍ عَابِرٍ، بَلْ هِيَ طَاقَةٌ وُجُودِيَّةٌ تَمْنَحُ الْحَيَاةَ قِيمَتَهَا السَّامِيَةَ. عِنْدَمَا نَتَحَدَّثُ عَنِ الِانْفِتَاحِ، فَإِنَّنَا نَقْصِدُ تِلْكَ النَّافِذَةَ، الَّتِي نُبْصِرُ مِنْ خِلَالِهَا جَمَالَ الاخْتِلَافِ، حَيْثُ يَتَحَوَّلُ الآخَرُ مِنْ مَصْدَرٍ لِلرَّيْبَةِ إِلَى شَرِيكٍ فِي صِنَاعَةِ الحَضَارَةِ. إِنَّ قَبُولَ الآخَرِ يَعْنِي الإِقْرَارَ بِأَنَّ الحَقِيقَةَ لَيْسَتْ حِكْرًا عَلَى أَحَدٍ، وَأَنَّ التَّعَدُّدِيَّةَ هِيَ الثَّرَاءُ الحَقِيقِيُّ لِلْبَشَرِيَّةِ.

فِي الحَيَاةِ العَامَّةِ، يَتَجَلَّى أَثَرُ هَذِهِ القِيَمِ فِي تَمْتِينِ الرَّوَابِطِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، فَالْمُجْتَمَعُ الَّذِي يَتَبَنَّى نَهْجَ التَّسَامُحِ يَكُونُ أَكْثَرَ تَمَاسُكًا فِي وَجْهِ التَّحَدِّيَاتِ. عِنْدَمَا تَسُودُ المَحَبَّةُ، تَنْحَسِرُ مَشَاعِرُ الكَرَاهِيَةِ وَالتَّعَصُّبِ، وَيَحِلُّ مَحَلَّهَا التَّعَاوُنُ البَنَّاءُ، الَّذِي يَسْعَى لِتَحْقِيقِ الخَيْرِ العَامِّ. إِنَّ الِانْفِتَاحَ الفِكْرِيَّ يُتِيحُ لِلْعَقْلِ البَشَرِيِّ أَنْ يَمْتَصَّ خِبْرَاتِ الأُمَمِ، مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى طَفْرَةٍ فِي الإِبْدَاعِ وَالِابْتِكَارِ، لِأَنَّ تَلَاقُحَ الأَفْكَارِ يُوَلِّدُ حُلُولًا لَمْ يَكُنْ لِيَصِلَ إِلَيْهَا العَقْلُ المُنْغَلِقُ عَلَى ذَاتِهِ.

مِنْ وُجْهَةِ نَظَرٍ تَارِيخِيَّةٍ وَبَحْثِيَّةٍ، نَجِدُ أَنَّ الحَضَارَاتِ الَّتِي خَلَّدَتْ بَصْمَتَهَا، هِيَ تِلْكَ الَّتِي احْتَضَنَتِ التَّنَوُّعَ وَجَعَلَتْهُ رُكْنًا أَسَاسِيًّا فِي هُوِيَّتِهَا. إِنَّ قَبُولَ الآخَرِ بِكُلِّ مَا يَحْمِلُهُ مِنْ خُصُوصِيَّةٍ دِينِيَّةٍ أَوْ ثَقَافِيَّةٍ هُوَ الضَّمَانُ الوَحِيدُ لِلْأَمْنِ السَّلْمِيِّ. هَذَا التَّوَجُّهُ يَنْعَكَسُ إِيجَابًا عَلَى التَّنْمِيَةِ الشَّامِلَةِ، حَيْثُ تَتَوَجَّهُ الطَّاقَاتُ نَحْوَ البِنَاءِ بَدَلًا مِنَ الهَدْمِ، وَتُصْبِحُ الدَّوْلَةُ مَسَاحَةً لِلْجَمِيعِ دُونَ اسْتِثْنَاءٍ.

فَلْيَعْلَمِ الجَمِيعُ أنَّ المَحَبَّةَ هِيَ النُّورُ، الَّذِي يُبَدِّدُ ظَلَامَ الجَهْلِ، وَالِانْفِتَاحَ هُوَ المَدَى الَّذِي نُحَلِّقُ فِيهِ نَحْوَ غَدٍ أَفْضَلَ. عِنْدَمَا نَقْبَلُ الآخَرَ، نَحْنُ فِي الوَاقِعِ نُكْرِمُ إِنْسَانِيَّتَنَا وَنَرْفَعُ مِنْ شَأْنِ وُجُودِنَا. فَلْتَكُنْ حَيَاتُنَا قَصِيدَةً تُنْظَمُ بِأَحْرُفٍ مِنْ مَحَبَّةٍ، وَلْتَكُنْ مَوَاقِفُنَا مَنَارَاتٍ تَهْدِي التَّائِهِينَ فِي دُرُوبِ الصِّرَاعِ نَحْوَ شَاطِئِ السَّلَامِ وَالْمَوَدَّةِ، لِتَحْقِيقِ النَّجَاحِ.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

اسكتي هذا الرضيع بقلم عبدالفتاح الطياري

اسكتي هذا الرضيع كانت سارة تحاول التوفيق بين عملها الشاق الذي يستنزف طاقتها الجسدية، وبين متطلبات المنزل التي لا ترحم. كانت تقف في مطبخها، ي...