على أطلالِ الانتظارِ وقفتُ وحدي، أعدُّ ما تبقّى من نبضِ العمرِ، وأفتِّشُ في الريحِ عن أثرِ الخطى، لعلَّ العابرينَ تركوا اسمَكِ على حجرٍ، أو علَّقوا صوتَكِ على غصنِ شجرةٍ ما زالت تؤمنُ بالربيع.
هنا... كان الوعدُ يبتسم، وكانتْ يدُكِ إذا لامستْ يدي يخضرُّ الوقتُ، وتزهرُ الطرقاتُ، وتفرُّ من القلبِ كلُّ مواسمِ الوحشة.
وهنا... كان المساءُ يجلسُ بيننا كطفلٍ مدلَّل، يشربُ من فناجينِ الصمت، ويكتبُ على زجاجِ النافذة: "إنَّ المحبَّ لا يشيخ."
لكنَّ الريحَ تغيِّرُ عناوينَ القلوب، وتسرقُ من الأماني آخرَ قنديل، ثم تمضي كأنها لم تهدم مدينةً كاملةً اسمها الحنين.
فمنذُ غبتِ... والأرصفةُ تعرفُ وجهي، والمقاعدُ الخشبيةُ تحفظُ تنهيداتي، والطيورُ تسألني كلَّ صباح: أما عادَ المسافرُ الذي كان يزرعُ الضحكةَ في عينيكَ؟
أجيبها: إنه السفرُ يا صديقتي، حين يطولُ لا يعودُ طريقًا، بل يصبحُ قدرًا.
كم ليلةً حادثتُ القمرَ عنكِ، فكان يختبئُ خلفَ الغيم، وكأنَّه يخجلُ أن يخبرني أنَّ بعضَ الأحلامِ لا تستيقظُ أبدًا.
وكم كتبتُ اسمَكِ على الماء، فعلَّمتني الأمواجُ أنَّ الأشياءَ الجميلة لا تُمسَكُ بالأيدي، بل تُحفَظُ في القلب، ولو أحرقتها السنون.
أنا الذي كنتُ أؤمنُ أن الحبَّ يهزمُ الغياب، اكتشفتُ متأخرًا أنَّ الانتظارَ قد يكونُ أطولَ من عمرِ العاشقين.
فصرتُ أجمعُ فتاتَ الأيام، وأبني منه بيتًا من الذكريات، أسكنُ فيه وحدي، وأفتحُ نوافذه كلَّ مساء، علَّ نسمةً تحملُ إليَّ شيئًا من عطركِ القديم.
ما أقسى أن تظلَّ الأبوابُ مفتوحة، ولا يأتي أحد. وأن يبقى الكرسيُّ في مكانه، والفنجانُ دافئًا، والقلبُ مستعدًا، بينما الغيابُ هو الضيفُ الوحيد.
يا امرأةً تركتْ على كتفيَّ عمرًا كاملًا من الشوق، أما تعبتِ من الرحيل؟ أما اشتقتِ إلى رجلٍ ما زال يكتبُ اسمكِ كلما ضاقتْ به الحياة؟
أنا لم أعاتبكِ، فالعتابُ لمن بقي قريبًا، أما الذين اختاروا الغياب، فقد أخذوا معهم كلَّ الإجابات.
لهذا أقفُ اليوم على أطلالِ الانتظار، لا أبكي، ولا أصرخ، بل أبتسمُ لأنني أحببتُ يومًا بكلِّ ما في القلبِ من صدق.
وسيبقى الحبُّ، حتى وإن رحلَ الأحبة، أجملَ ما مرَّ بنا، وأصدقَ ما علَّمنا أن الأرواحَ الكبيرة لا تموتُ بالفراق، بل تعيشُ في ذاكرةِ الزمن، وفي قصائدَ لا ينتهي صداها،
كارم الطير،،،،
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق