الأحد، 5 يوليو 2026

حبُّكَ وطنٌ... وبه أحيا بقلم عبير جلال

حبُّكَ وطنٌ... وبه أحيا
عندما يأتي المساء، ويُطل الليل بسكونه، أجلس بجوار نافذتي، أراقب النجوم وهي تتراقص في صفحات السماء، تتلألأ كحبات اللؤلؤ المصقول، فتبعث في العتمة نورًا يأسر القلب.
أنتظر ظهور صديقي القمر، فأبوح له بقصة حبٍّ أحيا بها العمر كله. وما إن يطل بنوره الفضي حتى يسألني، وكله آذانٌ صاغية، عن سر ذلك البريق الذي يملأ عيني، فأبدأ أعزف له حكاية عشقٍ سكنت أوتار قلبي، حتى صار نبضه لا يعرف لحنًا سواها.
حين التقيتُ به كانت صدفة، كنا في جلسةٍ تجمع الأصدقاء. لم أكن أعرفه من قبل، لكنه لفت انتباهي بحديثه الشيق، وملامحه الهادئة، وصوته الذي يشبه النغم الحزين. كان حضوره يسبق كلماته، وله هيبة هادئة تأسر القلوب.
كنت أختلس النظر إليه، أراقبه، وأتأمل تصاعد دخان سجائره في صمت، وكأن شيئًا خفيًا كان يدفعني نحوه.
وعند انتهاء اللقاء، تلاقت أيدينا بالسلام، فإذا بنبضات قلبي تصبح أسيرةً له. تحدثنا في صمتٍ بلغة العيون العاشقة، ثم تكرر اللقاء، وكنا نسرق من الزمن لحظاتٍ نستنشق فيها عبير حبنا.
لم يكن الحب عندي كلماتٍ تُقال، ولا وعودًا تُكتب على الورق، بل كان ميلادًا جديدًا لروحي، بعد سنواتٍ ظننتُ فيها أن قلبي قد نسي كيف يبتسم.
وحين ظهر حبيبي في حياتي، أزهرت أيامي البائسة، وأيقظ في داخلي طفلةً تعشق الحياة. أخيرًا وجدت وطنًا أحيا فيه، وأيقنت أن للأرواح مكانًا تهرب إليه من قسوة الحياة.
فحبيبي وطنٌ لا تحدُّه حدود، ولا ترسمه الخرائط. وطنٌ كلما ضاقت بي الحياة، فتحت أبواب قلبه، فوجدت الدفء والأمان، وقلبًا يعانقني بكل ودٍّ وحنان.
في عينيه رأيت فجر صباحي الذي لا يشبه أي صباح، ورأيت عمري يولد من جديد ليعيش ذلك الحب. فكل الطرق كانت بدايتها ونهايتها قلبك المفعم بالحنان، وكأن الله خلق قلبي ليعرف طريق قلبك فيحبه.
تلاشت مخاوفي من قسوة الحياة، ولم أعد أخشى تقلُّب الفصول، فحبك لي هو الربيع الدائم، ونسائمه الرقيقة.
علمني حبك أن الوطن ليس أرضًا نسكنها، بل قلبًا صادقًا نسكن إليه.
إذا ابتسمت، ازدهرت حدائق روحي، وتراقص الفرح بين حنايا صدري. وإذا ناديت اسمي، شعرت بجماله، وكأن الدنيا تناديني باسم الحياة.
أتعرف يا صديقي...
أحببت كل تفاصيله الصغيرة، صوته حين يتحدث، وصمته حين يستمع إليَّ، ونظراته التي تقول ما عجز اللسان عن الإفصاح به.
فأنا لا أريد من الحياة قصورًا، ولا مالًا، ولا ذهبًا، يكفيني حبه، ويكفيني قلبه وطنًا أحيا فيه بأمان. حنانه يظلِّلني بدفئه، وحبه هو الهواء الذي تتنفسه روحي.
وفي كل صباح، أكتب على صفحات عمري أنني أحبه، وما زلت أحبه، برغم مرور السنوات، وكأنني أحبه لأول مرة.
أتعرف يا صديقي...
حين يسألوني يومًا: أين وطنك؟
سأبتسم، وأشير إلى قلب حبيبي، وأقول بكل يقين:
حبُّكَ وطنٌ... وبه أحيا.
بقلم/ عبير جلال
الإسكندرية
٣/٧/٢٠٢٦

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

بَلُّورِي المَسْحُور بقلم سهى زهرالدين

بَلُّورِي المَسْحُور  كَمَا يَبْتَلِعُ الصَّمْتُ فُقَاعَاتِ الهَوَاءِ بَدَأَتِ التَّوَجُّسَاتُ فِي نُقْطَةِ التَّسَاؤُلَاتِ نَدِيمُ الفِكْرِ...