بقلم: ماهر اللطيف / تونس
أعطوه فاتورة المصحة الخاصة ظهر ذلك اليوم، وطلبوا منه تسويتها قبل المغادرة.
تأملها بتمعّن لحظات، ثم أطلق العنان لبكائه.
في لمح البصر، أحاط به الطاقم الطبي، بعد أن ظنّوا أن حالته الصحية قد تدهورت.
تقدّم منه رئيس الأطباء، وربّت على كتفه مبتسمًا:
- ما الذي يبكيك أيها البطل؟ هل تشعر بألم؟
- لا يا بني... فمن أعطى أخذ.
ابتسم الطبيب وقال مازحًا:
- يبدو أن قيمة الفاتورة أفزعتك. إن أردت، خفّضناها لك قليلًا.
قاطعه الرجل بهدوء:
- المشكلة ليست مادية... أستطيع تسديدها كاملة.
واصل الطبيب أسئلته، لكنه لم يظفر بجواب. وفي الأثناء، دخل ولداه بعد أن أُذن لهما بذلك. أُعلما بما يحدث، لكنهما لم يحصلا بدورهما على تفسير.
تناول الابن الأكبر الفاتورة، فتسمّرت عيناه أمام أرقامها. استأذن الجميع، واتجه إلى الإدارة لتسديد تكاليف الاستشفاء.
أما الأب، فقد سرحت به الذاكرة... إلى طفولته، ولعبه، وركضه، وتباهيه بقوة جسده، ثم زواجه، وإنجابه أبناءه، وتضحياته في العمل، قبل أن يبدأ الجسد رحلة الوهن، يومًا بعد يوم.
تنهّد طويلًا، وقال بصوت سمعه كل من في الغرفة:
ثلاثة أيام من التنفس الاصطناعي بخمسة ملايين، دون احتساب بقية الخدمات... وعشرة ملايين دُفعت في محاولة لضخ شيء من الحياة في جسدي، بينما أنعم الله عليّ بأكثر من ثمانين عامًا من التنفس الطبيعي، دون أن أدفع مليمًا واحدًا... الحمد لله، وله الشكر.
عاد الابن الأكبر يحمل شهادة الخلاص، ثم شرع في جمع أمتعة والده بعد مغادرة أصحاب المآزر البيضاء.
وما إن همّوا بالمغادرة حتى صاح، وقد شحب وجهه:
- لقد سُرقت!
التفت إليه أبوه وأخوه.
- ماذا سُرق؟
- خمسمائة دينار... ربما أضعتها عندما استخرجت عشرة ملايين من خزنة المصحة، أو لعل أحدًا سرقها.
ربّت الأب على كتف ابنه وقال بهدوء:
- لا تحزن يا بني... المال يُعوَّض.
ثم رفع بصره إلى السماء، وهمس:
- الحمد لله، وله الشكر.
ظل الابن الأكبر يسترجع ما حدث، بينما انسحب أخوه الأصغر بهدوء إلى بيت الراحة.
أغلق الباب خلفه، وأخرج رزمة النقود التي دسّها في جيبه قبل قليل.
عدّها...
- ثلاثمائة وسبعون دينارًا.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، وهمس:
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق