بِقَلَمِ الشَّاعِرِ: مَنْدَاسْ غَرِيسِي / الجَزَائِر
مَتَى اللِّقَاءُ؟ وَقَدْ أَضْنَى النَّوَى مُهَجِي
وَالشَّوْقُ يَحْمِلُنِي نَحْوَ الَّذِي أَهْوَى
يَا أَقْصَى، وَيَا قِبْلَةَ الأَرْوَاحِ، يَا وَطَنًا
فِي كُلِّ نَبْضٍ لَنَا مِنْ حُبِّكَ الذِّكْرَى
يَا مَسْرَى مُحَمَّدٍ، يَا آيَةً سَطَعَتْ
فَوْقَ الزَّمَانِ، وَفِي أَرْجَائِكَ الأُسْرَى
مِنْ حَجَرٍ فِيكَ تَرْوِي الرِّيحُ قِصَّتَنَا
وَفِي مَآذِنِكَ العَطْشَى صَدَى الأَذَانِ
كَأَنَّ صَخْرَتَكَ الوُقَّادَةَ انْتَصَبَتْ
فِي لَيْلِنَا مِشْعَلًا يَهْدِي إِلَى الفَجْرِ
وَكَأَنَّ أَبْوَابَكَ القُدْسِيَّةَ انْفَتَحَتْ
فِي الرُّوحِ، حِينَ أَغَارَ البُعْدُ بِالسُّورِ
طَالَ الفِرَاقُ، وَلَكِنْ لَمْ تَغِبْ صُوَرٌ
مِنْكَ، وَمَا غَابَ فِي أَرْوَاحِنَا الوَعْدُ
نَحْنُ الَّذِينَ حَمَلْنَا اسْمَكَ فِي دَمِنَا
كَأَنَّهُ الوَشْمُ، لَا يُمْحَى وَلَا يَبْلَى
وَكُلَّمَا ضَاقَ فِي أَجْفَانِنَا أَمَلٌ
أَطَلَّ مِنْكَ عَلَى أَرْوَاحِنَا فَلَقُ
فَاللَّيْلُ مَهْمَا تَمَادَى فِي مَتَاهَتِهِ
لَهُ صَبَاحٌ، وَفِي أَحْشَائِهِ شَفَقُ
وَالحَقُّ، مَهْمَا أَطَالَ القَيْدُ غُرْبَتَهُ،
يَبْقَى أَبِيًّا، وَإِنْ أَغْرَاهُ مَنْ سَرَقُوا
سَتَرْجِعُ القُدْسُ، لَا حُلْمًا نُرَتِّلُهُ
بَلْ مَوْعِدًا فِي ضَمِيرِ الدَّهْرِ مُنْعَقِدَا
وَيَرْجِعُ الأَذَانُ إِلَى مَنَابِرِهِ
كَأَنَّهُ صَوْتُ عُمْرٍ عَادَ مُبْتَدِئَا
وَتَغْسِلُ الشَّمْسُ وَجْهَ القُدْسِ مِنْ وَجَعٍ
وَيَسْتَفِيقُ عَلَى أَنْوَارِهَا الحَجَرُ
وَنَحْنُ نَمْشِي إِلَيْكَ، وَالخُطَى وَجِلٌ
كَأَنَّنَا نَخْشَى أَنْ نَصْحُو مِنَ الحُلُمِ
فَإِذَا لَمَسْنَا ثَرَاكَ الطُّهْرَ مُبْتَهِجِينَ
بَكَى الحَنِينُ، وَصَارَ الدَّمْعُ تَكْبِيرَا
وَنَسْجُدُ اللهَ فِي أَرْجَائِكَ ابْتَهَجًا
فَيَسْكُتُ الجُرْحُ، وَتَسْمُو الرُّوحُ تَطْهِيرَا
يَا قُدْسُ، لَسْتِ حِكَايَاتٍ مُعَلَّقَةً
عَلَى جُدْرَانِ أَمْسٍ ثُمَّ تَنْدَثِرُ
أَنْتِ الَّتِي فِي دَمِ الأَحْرَارِ قِصَّتُهَا
وَفِي ضَمِيرِ الزَّمَانِ الحَقُّ مُسْتَتِرُ
سَنَحْفَظُ العَهْدَ، لَا حِقْدًا نُرَبِّيهِ،
بَلْ حُبَّ أَرْضٍ بِهَا الإِنْسَانُ يَنْتَصِرُ
فَالحَقُّ لَا يَسْتَجِيرُ بِالسُّيُوفِ، وَلَا
يَمُوتُ حِينَ عَلَى أَبْوَابِهِ الخَطَرُ
يَا أَقْصَى، إِذْ سَأَلْتَ: «مَتَى لِقَاؤُكُمُ؟»
قُلْنَا: سَيَأْتِي، وَإِنْ أَبْطَأْنَا، القَدَرُ
وَإِنْ تَأَخَّرَتِ الأَيَّامُ عَنْ وَعْدٍ
فَالوَعْدُ أَبْقَى، وَإِنْ أَعْيَا بِنَا السَّفَرُ
سَنَرْجِعُ، وَفِي أَعْيُنِنَا قَمَرُ الشَّوْقِ
وَفِي خُطَانَا مِنَ الإِيمَانِ مُعْتَبَرُ
حَتَّى نَرَاكَ، وَفَوْقَ القُدْسِ أَرْوِقَةٌ
مِنَ السَّلامِ، وَفِي أَفْقِ المَدَى زَهَرُ
عِنْدَ اللِّقَاءِ سَنَنْسَى كُلَّ مُنْكَسِرٍ
وَنَسْتَرِدُّ مِنَ الأَيَّامِ مَا انْكَسَرَ
وَنَقُولُ: يَا أَقْصَى، هَذَا الوَصْلُ أَجْمَلُ مَا
أَبْقَى الحَنِينُ لَنَا، فَالحُبُّ مُنْتَصِرُ
فَإِنْ سَأَلْتَ: «مَتَى؟» قُلْنَا بِمُبْتَسِمٍ:
يَوْمَ يَصِيرُ لَنَا مِنْ شَوْقِنَا حَضَرُ
وَإِنْ سَأَلْتَ عَنِ اسْمِ المَوْعِدِ، فَاسْمُهُ:
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق