تنساب دروب الحارة بلا سؤال عن الارواح المتألمة في خفاء وكأنها ذاكرة حديدية لا تتسع إلا لمن يملك مفاتيح الوجاهة وبريق المصالح حيث عاش الشيخ زيان انسان أضناه التعب ولم يترك له الدهر سوى قلب ينبض بالبساطة وروح أثقلها التجاهل وكان طوال أيامه الاخيرة ملقى على فراش المرض تلتهمه العزلة كأنما وجد ليكون شبحا يمر بلا صوت فلا أحد من جيرانه أو أقاربه تذكر خطوات بيته ولا أحد سأل عن قطرة دواء تخفف عنه جحيم الاوجاع وكان كثيرا ما يقابل بالصمت المطبق والجحود ذا ما ذكر لأحدهم رغبة في شيء اشتهاه من حلو الموائد. ولكن وكعادة النفاق الاجتماعي حين يرتدي مسوح الواجب الكاذب انقلبت المشهدية كالسحر لحظة اعلان وفاته فجأة وكأن الحارة كانت تنتظر هذا الفصل الأخير لتؤدي مسرحيتها المفضلة تحولت ساحة الدار الخاوية إلى مهرجان بشري صاخب وحضر العشرات هذا جار لم يسأل عنه قط يذرف دمعة وذاك قريب بخيل يسارع لحمل النعش متباهيا بقوته وتعالت الأصوات بالمواعظ الزائفة اسرعوا وعجلوا بأخيكم فإن اكرام الميت دفنه وكانهم يتسابقون في كسب صكوك غفران وهمية على حساب رجل تركوه يصارع الموت وحيدا ووارى التراب جسد مهترئا انهكته الفاقة ونهشته انياب حياة قاسية بهدوء يشبه حياته بينما انفض الجمع سريعا كأنهم لم يكونوا سوى زحام في ممر عابر وبقي قبره وحيدا تحت رذاذ المطر يشهد على مفارقة موجعة أحياء يحرمون من تمرة الوصل في عز حاجتهم وأموات يحاطون بكرنفال النفاق يوم لا ينفعهم زحام البشر ولا دموعهم الزائفة الا عن ثلاث .
مصطفى مرارشي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق