السبت، 8 أغسطس 2026

لا أعرف أبي بقلم ماهر اللطيف

"لا أعرف أبي"

بقلم:ماهر اللطيف/تونس 

وقفتُ ذاتَ ظهرٍ في محطة للحافلات أنتظر دوري. كان المكان مكتظًا، وحرارة جويلية خانقة، والروائح الكريهة تزكم الأنوف. ولم تكن الفوضى وحدها سيدة الموقف؛ فالسرقات وافتكاك حاجات الناس عنوةً أمام الجميع أصبحت مشهدًا مألوفًا، خاصة مع حمل المعتدين أسلحةً بيضاء لا يترددون في استعمالها.

لمحتُ عبد المؤمن، ابن صديقي الحميم جمال الدين، بين أولئك المعتدين الذين لم يتجاوز أكبرهم العشرين من عمره. كان يشهر سكينًا كبيرًا، يتفوه بأقذع العبارات، يبتلع الأقراص أمام الجميع، ويمد يده إلى جيوب الناس يسلبهم ما يعثر عليه.

لم أكلمه. قلت في نفسي: ما إن يقترب مني حتى يخجل من نفسه، ويعتذر إليّ وإلى ضحاياه.

رمقني بنظرة حادة، ثم زمجر:

- أخرج ما لديك أيها العجوز، قبل أن أشوه وجهك بهذا السكين. كن طيعًا تسلم.

ارتبكت وقلت:
- أنا صديق والدك جمال الدين... أنا جلال.

قاطعني، وبصاقه يتطاير:
- لا تنادني باسمي أيها الأبله. لا أعرفك... ولا أعرف أبي.

ثم صفعني بقوة وهو يصيح:
- اصمت!

توسلت إليه:
- أرجوك يا بني...

لم ينصت إليّ. سلبني نقودي، وهاتفي، وساعة يدي، وأوراقي، وما كنت أحمله من غلال، ثم ركلني ودفعني بعنف وهو يقول:

- بلّغ صديقك أنني سأنتقم منكما شر انتقام.

وانتقل إلى ضحية أخرى.

تراجعت خطوات، ولمّا لاحظت سيارة شرطة تقترب أشرت إليها أن تتوقف، لكن من فيها تجاهلوا ما يحدث، ومضوا في طريقهم.

استوقفت أحد المارة، واستعرت هاتفه، واتصلت بجمال الدين. وما إن أخبرته بما حدث حتى قال بحسرة:

- اتجه إلى أقرب مركز شرطة وارفع دعوى ضده. لقد غادر المنزل منذ سنوات، وآثر أصحاب السوء على عائلته. لا يكاد يغادر الإصلاحية حتى يعود إليها بجريمة جديدة. لم أعد أقدر عليه، خاصة حين يلتهم تلك الأقراص التي تنسيه نفسه...

وبينما كان يحدثني، غزتني صور جمال الدين القديمة. كان في صباه جانحًا؛ يسرق والديه ليشتري السجائر، ثم المخدرات، قبل أن تمتد يداه إلى المحلات التجارية. سُجن أكثر من مرة، حتى تزوج، فتاب رويدًا رويدًا، وظن أن الماضي صار خلفه. لكن حصاد تلك السنوات لم يظهر إلا بعد أن كبر أبناؤه: عبد المؤمن، وسالم، وأبو القاسم، ولبنى... فإذا بهم الثمرة التي أنبتتها بذور ماضٍ ظن أنه دفنه.

قطع شرودي صوته وهو يصيح:

- أين أنت يا جلال؟ أعطني العنوان... بسرعة!

لم تمض دقائق حتى كان في مسرح الجريمة. اقترب من ابنه، وناداه مرة، ثم ثانية، فلم يلتفت إليه.
اقترب أكثر، جذبه إليه وصفعه وهو يلومه على ما يقترفه في حق الأبرياء.

لم يتردد عبد المؤمن. كان غائبًا تحت تأثير الأقراص. غرس السكين في صدر أبيه، ثم انتزعه وأعاد غرسه في الموضع نفسه بعنف، والحاضرون يحاولون عبثًا انتزاعه من بين يديه.

سقط جمال الدين أرضًا.

تجمد الحاضرون، وتعالت الصرخات، بينما ظل عبد المؤمن يحدق في الجسد الممدد أمامه بوجه جامد.

عندها فقط تذكرت كلمته الأولى:

- "لا أعرف أبي."

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

هي بقلم فاطمة الزهراء أحمد

هي ...  ك الندى  على وجنات الزهور بسمة بالعيون وفوق الثغور تشع ضياء  كأنما بدر البدور  تراها روامق تسكن الصدور تسلب العقول للجنون عبور ... ....