الاثنين، 7 سبتمبر 2026

خيالُ كاتب بقلم عقيل هاشم

خيالُ كاتب
قِصّةٌ قصيرةٌ جدًّا
عقيل هاشم — العراق
تُوَدِّعُ المدينةُ صيفًا قائظًا شديدَ الضجر، بينما الظلامُ ما زال جاثمًا عليها بعد حلول الشتاء.في غرفة المكتبة، يربضُ رجلٌ تجاوز العقدَ السادسَ وحيدًا. تنَهَّدَ وقال: «ما أثقلَ الصمت!».السيد فوزي، الروائيُّ الشهير، أصبح ذاكرةً متخمةً بالشجن والذكرى. ينهضُ متعبًا من مكانه، وبكثيرٍ من المعاناة يتركُ مسودةَ الرواية التي يحاول أن يُكملها، ويجرُّ نفسه إلى غرفة النوم، وقد خاصمَ الكَرَى أجفانَه.تمدَّدَ على السرير. لم يعد قادرًا على النوم، بعد أن غادرت رفيقةُ العمر الحياة بعد أن أستوطن وباء الكورونا جسدها ،فاحالها الى رماد. يومٌ لعينٌ لا يستطيع محوه من ذاكرته ولو للحظة؛ يصاحبه الألمُ والأسى، ومكانُها في السرير صار جزءًا منه.بعد غيابها، لم يعد يملك من أمره شيئًا، عدا ذاكرةً مترعةً بالوجد والحنين.ومع مرور الأيام، بدأ يشعر بالخوف من فقدان ملامح صورتها المعلَّقة على جدار الصالة المزخرف، وهي تضع رأسها على كتفه.أغفى قليلًا، وهو هائمٌ في ذكريات السنين. كان نومه متقطعًا؛ حالاتُ يقظةٍ تتخللها إغفاءاتٌ قليلة.عند الفجر، يقوم متثاقلًا من سريره إلى المطبخ، ليُعِدَّ قهوةَ الصباح ويُكمل الفصلَ الأخير من الرواية. يُصيبه الإعياء، فيتركها على أمل إكمالها عند عودته من المقهى.يفتح مشجبَ ملابسه، وهو يعتزم ارتداء بدلة زفافه البيضاء. وبمساعدة عكازه، يكون مستعدًّا للخروج.يركب الحافلة بصعوبةٍ بالغة. تُوصله إلى مفترق الطريق، حيث مقهى الزهاوي. ينزل منها بصعوبة، ويسير ببطء تجاه المقهى.وبعد مسامرة الأصدقاء، يقوم متعجِّلًا، وهو يلتقط فكرةً جديدةً لنهاية روايته، ويخشى نسيانها. ينهض مودِّعًا الأصدقاء، ويعود أدراجه إلى البيت.وبعد أن عبر شارع الرشيد، بدأ المطر يبلل رأسه. شعر بيدٍ تلمس كتفه. استدار ليجد سيدةً تحمل ملامح بطلة الرواية تمدُّ له يدها. وبالمقابل هو يبادلها بمدَّ يده إليها، وكأنها تسره بوصية عدم ذكر أسمها في الرواية ،ثم تودعه متعجلة .أشاح ببصره عنها ليدون ماتذكره في قصاصة ورق ،وحين رفع رأسه ، غابت صورتها عنه، وكأنها بقعةُ ضوءٍ شاحبةٌ اندسَّت في تلافيف الظلام.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

لسنا الصًَفا نحنُ التُّرابُ الطًاهرُ بقلم نادر أحمد طيبة

لسنا الصًَفا نحنُ التُّرابُ الطًاهرُ إذما حُرقنا فاحَ طيبٌ عاطرُ كم قد طغى الظًُلًَام في أحقادهم وفرَت سيوفٌ لحمَنا وخناجرُ ورسَت...