بقلم الكاتب: مَنْدَاسْ غَرِيسِي – الجزائر
ليست كلُّ أرضٍ سواء؛ فثمّة تربةٌ إذا مسَّها الغيثُ أخرجت سرَّها، وثمّة أرضٌ يمرُّ فوقها السحابُ، فلا يوقظ فيها سوى الغبار.
الوابلُ لا يضمن الثمر، كما أن الطلَّ لا يمنعه.
قد تهبط السماءُ بكل ما فيها، ثم يبقى الغصنُ عاريًا. وقد تنزل قطرةٌ يتيمة، فلا يراها أحد، ثم يظهر الربيعُ من حيث لم ينتظرْه أحد.
بعضُ الأشياء لا تحتاج كثرةً كي تحيا؛ تحتاج إلى ما يلامس موضعها الخفي.
كلمةٌ واحدة قد تفعل في قلبٍ ما لا تفعله الخُطب. ونظرةٌ عابرة قد تفتح نافذةً ظلّت مغلقةً أعوامًا. ويدٌ تمتدُّ في الوقت المناسب قد تختصر على روحٍ كاملة طريقًا طويلًا.
لذلك لا يُقاس المطرُ بما يُسمع له فوق السطوح، بل بما يتركه تحت التراب.
هناك أشياءُ تنمو في الصمت؛ لا تصفّق لها السماء، ولا يلتفت إليها أحد. تعمل بعيدًا عن العين، حتى إذا جاء أوانها، خرجت دفعةً واحدة، كأنها كانت تعرف موعدها منذ البدء.
وما أكثر ما يخدعنا الظاهر؛ فالسيلُ يملأ الأودية، والندى لا يكاد يُرى، لكن كليهما يمرُّ بالأرض نفسها، ثم يتركها تقول كلمتها بطريقتها.
ربما ليست المسألة في الذي يصل إلينا، بل في الموضع الذي يصل إليه.
فالأرضُ لا تستأذن المطرَ كي تكون أرضًا.
وقد لا يكون ما تأخّر عنك غيابًا، ولا ما قلَّ منك حرمانًا. بعضُ المواسم تتأخر لأن الجذر لم يكتمل، وبعضُ الثمار لا تظهر إلا بعد أن يتعب الانتظارُ من عدِّ الأيام.
ثم يأتي الصمت.
تنحسر الغيوم.
يجفُّ الطين على أطراف الطريق.
ولا يبقى من الحكاية إلا غصنٌ يحمل شيئًا أخضر.
عندها فقط، لا أحد يسأل:
كم كان المطر؟
يُنظَر إلى الثمر.
** أصابها وابلٌ... فآتت أُكلها.**
** فإن لم يُصبها وابلٌ... فطلّ.**
وما بين الوابل والطلّ، يظلُّ الترابُ وحده يعرف:
** ما الذي كان نائمًا فيه.**
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق