«( بين الرفض والتبرير )»
([إستغلال الدين والأسطورة])
([في الكذب والخداع السياسي])
بحث وتحقيق : د/علوي القاضي .
.★|★. وصلا بما سبق ، فمن جانبه ، يذهب الدكتور [حمدي الشريف] إلى أن أفلاطون في إستخدامه لفكرة الأكذوبة النبيلة كان يعتقد ، (أن قيام الدولة العادلة يتطلّب ترويج أكذوبة من أجل إقناع الناس بأنّهم من معادن متباينة ، ومن ثم يُسلِّمون بالتفاوتات الطبقية فيما بينهم ، وبأن هذه التفاوتات أمور يستلزمها النظام الطبيعي للدولة)
.★. وبالتالي فحتى يمكن لأفلاطون تحقيق ذلك ، فإنه لم يخترع أسطورة ، بل رجع إلى أسطورة فينيقية قديمة ؛ بهدف تدعيم نظريته السياسية في العدالة ، وهذا ما يشير إليه المؤلف بأن (أكذوبة أفلاطون) كامنة في استعماله لهذه الأسطورة ، بحيث تصبح الأسطورة وسيلة لإقناع الناس بنظام العدالة على النحو الذي ينظر إليه أفلاطون ، مع أن الحقيقة هي (أخوّة جميع البشر ، رغم كل الإختلافات التي بينهم !)
.★. وقد توسّع د [حمدي الشريف] بعمق في تحليل ونقد فكرة الأكذوبة النبيلة عند أفلاطون ، وتوظيفه للأسطورة (بل وللدين عمومًا) سياسيًا ، وساق آراء بعض المفكرين الذين حاولوا إلى حد ما (الدفاع عن أفلاطون ، واستبعاد وصفه بأنه من مروجي الكذب السياسي) ، مثل [روسو] ، و [حنة آرندت] ، اللذين ذهبا إلى إعتبار أن (أفلاطون مبتدع الأكاذيب النبيلة في السياسة يقوم على تأويل غير دقيق له ، وبدلًا من ذلك ذهبا إلى أنّه وظّف (الخيال) فقط ، غير أنّه لم يقصد إقرار الكذب كمبدأ عام في السياسة ، ولم يبيحه إلا في بعض الأحيان لخداع العدو مثلًا)
.★. وقد إعترف د [حمدي الشريف] بوجاهة هذا التفسير ، لكنه رأى أنّه غير صحيح لأسباب عدة ؛ ويقف على رأسها أنّ [روسو] نسي (أو بالأحرى تناسى) البعد الإرادي لإحداث تزييف متعمد في أذهان الناس ، وكذلك تناست (آرندت) أنّ أفلاطون ينظر إلى هذه الأكذوبة على أنّها وسيلة فعّالة يمكنها أن تُقنع الناس بالتفاوت الطبقي فيما بينهم ، والمحافظة على النظام الهرمي الذي تقوم عليه دولته المثالية
.★. من هنا يتقاطع توظيف (الدين) مع توظيف (الأسطورة) في المجال السياسي ، وكما أشار . د [حمدي السريف] فإنّ الأسطورة تُمثِّل عند أفلاطون عنصرًا ضروريًا لقيام العدالة ، وبالتالي لجأ أفلاطون إلى أسطورة المعادن الثلاثة ؛ لضمان إستقرار نظام دولته المثالية
.★. وكذلك فقد أشار . د [حمدي الشريف] إلى دور الأسطورة في فكر فلاسفة آخرين ، ومنهم [ليو شتراوس] ؛ الذي نعى عليه المؤلف فاشيته وتبريره للكذب والخداع من جانب النخبة السياسية ، التي رأى فيها النموذج الحقيقي للسياسة المثالية ، رغم ادعائه الديمقراطية
.★. الأكثر من ذلك هو تبرير [شتراوس] توظيف الدين نفسه (من خلال دعوته لاستعمال الدين بوصفه أداة نافعة في العملية السياسية ، بل ومن خلال إقراره بمشروعية توظيف الأساطير الدينية من أجل تحقيق الهدف السياسي الأسمى (النظام الديمقراطي الليبرالي) ؛ لأنّ ذلك من شأنه (وفقًا لما يراه) أن يخدم السياسة على نحو أفضل)
.★. لقد اتخذ د [حمدي السريف] موقفًا نقديًا واضحًا من الواقعية السياسية ، سواء عند [مكيافيلي] ، أو عند [والتزر] ، وانتهى إلى نتيجة أساسية ، وهي أن [والتزر] بدأ من [مكيافيلي] وانتهى إليه ، بل وتجاوزه في سياسة الكذب والخداع إلى حد كبير
.★. ويتضح موقف د [حمدي الشريف] الصارم في رفضه التام لشتى أنماط توظيف الأساطير في السياسة ، مهما كانت الغايات التي يدّعي أصحابها بأنّها نبيلة
.★. ولم ينتقد المؤلف إستخدام الأسطورة فحسب ، بل إنتقد أيضًا دور الأيديولوجيا ، في ضوء أفكار [ماركس] ، في ترسيخ علاقات القوة والهيمنة في المجتمع ، خاصة حين تتخذ الأيديولوجيا معنى قلب الحقائق وتحريفها عن معناها الأصلي ، أي حين تصبح وعيًا زائفًا ، أو انعكاسًا لمصالح طبقية خاصة
.★. لكن وكما يرى المؤلف ، فإنّ أخطر ما في الكذب السياسي هو (التوظيف النفعي للدين) ، وكذلك (صناعة الأساطير) ، سواء قومية أو دينية ، لتحقيق أهداف معينة ، وهذا لا يعني أنّ اللجوء إلى الأكاذيب واختلاق الأساطير مقصور فحسب على الدولة الدينية ، بل يمتد إلى كل الأنظمة السياسية الأخرى بما في ذلك الأنظمة السياسية المدنية (أو العلمانية)
.★. وتتمثّل فائدة الأساطير هنا في إضفاء الشرعية السياسية على طابعها السلطوي
... تحياتي ...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق