رماز الأعرج
العالم إلى أين
حين نرى السماء ملبدة بالغيوم وتزحف كجحافل أسطورية غامضة , ونسمع صفير الرياح ونشعر بالرطوبة تملا الجو , سندرك حتما أن المطر قادم قريبا .
هكذا تقرأ حركة الطبيعة من حولنا , وعلى صعيد المجتمع البشري و كذلك الأمر الحركة الاجتماعية وطبيعتها وتفاعلها يعطينا مؤشر ودلالة على ما هو قادم , ونحاول الاختصار قدر الإمكان ولكن الموضوع معقد وشائك ولكنا سنخوضه كما هو ونحاول الشفافية قدر الإمكان .
لو نظرنا إلى الأزمة العالمية المعاصرة وقارناها بالقرن الماضي وفي العقود الأولى منه على وجه الخصوص سنكتشف فورا مدى التشابه بين الفترتين , الأزمة الاقتصادية الخانقة والتقنية والسياسية , ويبرز عامل جديد واضح , وصعود قوى وهبوط قوى , وصراع محتدم على تركيبة العالم و هيكليته الاقتصادية المقبلة .
منذ انهيار النظام القطبي القديم في العالم والكوكب يعيش حالة من الصراع و الأزمة على ما هي طبيعة النظام العالمي الجديد , وحاولت الدول التي تعتبر نفسها المسيطرة على العالم وقائدته أن تفرض بقائها وسلطانها وتحافظ عليه , ولكن التطورات في العالم سارت باتجاه آخر , بحيث استطاعت دول أخرى النهوض والتقدم وتحقيق تطور نوعي على كافة الصعد , بل وأصبحت توازن الدول القديمة في القوة , بل هي المرشحة كأنظمة حديثة استطاعت أن تعيد بناء نفسها من جديد بعد الحرب العالمية الثانية , مثل الصين و إيران وغيرها من الدول , وتبعتها روسيا في النهوض بعد توقف مسيرة الانهيار والتدهور الذي سببها النظام القديم البائد المترهل الذي دمر في أخر أيامه وضع الدولة وكادت أن تقع فريسة صائغة في يد الإمبراطورية العالمية الاستعمارية الكبرى .
الآن يقف العالم أمام أزمة معيقة ومعقدة ومتشابكة بين قديم وجديد وتوازنات قوى مصيرية للجميع بين كل هذه القوى الكبرى في العالم , من روسيا إلى الصين وإيران والكثير من الدول الصغيرة الأخرى التي تحكم عليها ظروفها الجيوسياسية أن تكون من ضمن هذا الحلف .
إن العالم ينقسم إلى شرق وغرب والاصطفاف واضح لا لبس فيه , وهو اصطفاف يشابه نوعا ما في بعض جوانبه ظروف الحرب العالمية الأولى والثانية من حيث شمولية الأزمة , ولكن اليوم أصبح الواقع أكثر تعقيدا , و أصبحت هذه الدول على مستوى عالي جدا من التطور والتقنية والقوة المدمرة .
في الطرف الأخر نرى اصطفاف أوروبي أمريكي , لن نذكر الذيول والهوامش فهي لا تستحق حيز في السياق , هي مجرد أحذية تعبر بها الوحول وتلقى إلى مزابل التاريخ بعد ذلك .
مرت أكثر من خمسة أعوام على أزمة أوكرانيا , وخلالها تسابق الطرفين في التسلح والإعداد للحرب , وهناك من له رغبة مستميتة في إشعال هذه الحرب , وهي أمريكا و بريطانيا وبعض دول صغيرة ذيليه في أوروبا , والأسباب واضحة لكل عاقل
أولا لضرب روسيا في خاصرتها الرخوة واختراقها من جميع النواحي و إضعافها
ثانيا من اجل التجارة بالحرب وتسويق السلاح , وإلا تكدس في المخازن وأصبح قديم وغير مجدي تخزينه .
ثالثا محاربة روسيا على أرضها , وبعيدا عن الأراضي الأوروبية او الأمريكية
رابعا الحرب ستكون بالوكالة ومن سيدفع ثمنها الروس و الأوكرانيين كشعوب بعد أن كانت أمنة وتعيش معا .
وهناك الكثير من الأهداف الخفية طبعا والمصالح التي تدور في فلك الحروب دوما والكثير من قطعان الضباع والكلاب الضالة التي تنتظر ظروف الحرب لتنقض على فرائسها من البشر المتضررة والضعيفة الآن .
في الطرف الآخر يظهر لنا بكل وضوح الاصطفاف القائم وهو اصطفاف مصالح إستراتيجية ووجودية الآن , وهذا فرضه واقع الحال العالمي , والهجمة على الجميع من قبل الإمبراطورية المتوحشة العالمية التي تهاجم وتحارب كل من يخرج عن نفوذها وسيطرتها .
لن نكثر من ذكر الأوربيين هنا لكونهم مجرد ذيول وأدوات تستخدمهم العصابة المارقة فقط لتحقيق مصالحها والحفاظ على ضعفهم أمامها وتبعيتهم , وهي تشعل الحروب وتتاجر بها وهم يدفعون الثمن , من اللاجئين وغيره من الأضرار , بحيث هم دول مجاورة و قريبة لمناطق الحروب , بل والكثير منها هي مناطق تابعة للوصاية الاستعمارية لهذه الدول , مثل فرنسا وبريطانيا واسبانيا وغيرها .
آفاق الحلول
من الواضح تماما لكل مراقب خبير أن الحلول أصبحت غير ممكنة الآن , لن تسلم روسيا بوضع صواريخ و أسلحة إستراتيجية معادية في خاصرتها وعلى مسافة لا تتجاوز الخمسة دقائق لوصول الصواريخ للمدن الكبرى الروسية , هذا ما لا توجد دولة كبيرة وناضجة تقبل به حول العالم , فما بالك بدولة مثل روسيا اليوم .
الصين وإيران
يشكل الواقع طبيعة التحالفات , والصين وإيران من الدول التي تفرض الظروف عليها التحالف مع بعضها ومع روسيا أيضا , وذلك أصبح موضوع وجودي لهذه الدول , رغم ما بينها من اختلاف أيديولوجي وتناقض , ولكن يجمعها موضوع وجودي حتمي , إما التحالف ومواجهة العدو المشترك, أو الاندثار والخضوع والتحول إلى عبيد تابعة للنظام المتوحش الليبرالي الجديد.
وفي أخر قمة روسية صينية تم الإعلان بكل وضوح عن ولود عالم متعدد الأقطاب بل إن هذا العالم قد أعلن عن ولادته وصدرت شهادة ميلاده بشكل واضح بناء على ما نوقش من قضايا و أعلن عنها رسميا في هذا اللقاء الأخير في بكين الصين وذلك بتاريخ 4 شباط 2022
, وسجل هذا التاريخ الآن تاريخا لهذا الاتفاق المبدئي عن ولادة هذا العالم و ولادة قطب جديد سيكون له تأثير مصيري على هيكلية العالم على المدى المنظور والبعيد .
هذا يعني أن الحلف الذي تبلور سيكون ذو شراكة عسكرية أيضا وإستراتيجية , وستكون الحرب مشتركة في ما لو اقتضت الضرورة وقوعها, وإيران هي جزء أساسي وهام من هذا الحلف , ولكن أمريكا تري الآن محاولة الاستفراد في روسيا وافتعال الحرب بالوكالة والمشاركة الرمزية بعدة آلاف من الموجهين وغيرهم , بينما الحرب الحقيقية ستكون بين الروسي و الأوكراني ومجموعات من اللصوص وقطاع الطرق والمرتزقة الذي سيتجهون إلى هذه الحرب من اجل السرقة والنهب أو بصفة مأجورة مرتزقة كالعادة .
هنا يوجد مخاطر قادمة أيضا , وقد تتحول هذه الحرب إلى حرب عالمية طاحنة تحسم فيها بشكل نهائي مرحلة ومخاض مر عليه عدة عقود , وهو ولادة عالم متعدد الأقطاب , رغم انف الإمبراطورية المهيمنة , بل ستنحدر وتغرق في أزمتها الداخلية المتصاعدة , وهي حاليا تحاول الهروب إلى الأمام , ولكن هذا سيرتد عليها عكسيا , دون أن تعلم .
العالم اليوم أمام مفرق من أربعة طرق لا غير ومفرق لا شيء به لصالح الشعوب في جميع الأحوال , وهذه الخيارات بحسب ما هو مقروء حتى الآن لا فكاك من احدها حاليا , وهي تماما شبيهة بحجر النرد في لعبة الزهر , لابد من حدوث احدها في حال رمينا حجر الزهر .
أولا : حرب باردة طويلة الأمد , وهذه لها بوادر ومعالم قائمة منذ زمن بعيد وهي في تصاعد الآن ووضوح , وتوجت بالحشود العسكرية المباشرة في الفترة الأخيرة حتى الوصول إلى عنق الزجاجة في هذه الأزمة المعاشة الآن .
ثانيا : من الواضح أن الموضوع قد يتجاوز مسار الحرب الباردة , وهذا يعني حرب بالوكالة تشتبك بها عصابات مرتزقة مأجورة إلى جانب النظام الأوكراني المتعصب والتابع لأمريكا والصهيونية وليس للغرب .
ثالثا : حرب استنزاف قد تسمر لفترة طويلة , بدون تدخل مباشر من الحلف وتفق السلاح وتسويقه والدعم والإسناد العسكري والاستخباراتي واللوجستي من اجل استمرار الحرب لأطول فترة ممكنة , واستعمال عصابات المرتزقة المعروفة والمأجورة كما نعرف ذلك جميعا .
رابعا : وهو الاحتمال الأخير حرب وصدام مباشر بين القوى العظمى الصين وروسيا وإيران وبقية الحلف , مقابل أمريكا و وبريطانيا وبعض دول أوروبا المعنية بالحرب والتي سوف تساق لها كما الخراف وتدفع ثمنها غاليا في جميع الأحوال فيما لو وقعت حرب وصدام مباشر بين هذه الدول الكبرى ,
مثل هذه الحرب ستعيد تشكيل العالم الذي يسير نحو الأقطاب الاقتصادية والسياسية المتعددة , والتي عليها أن تأخذ مسار السلم بعد الحرب والقضاء على الحروب ووقفها بشكل نهائي والتحول إلى عالم متعاون بدل الحروب , وتحكمه أعراف وقوانين إنسانية وليس قوة السلاح و البلطجة والتطرف , والطموح نحو السيطرة على العالم بشتى السبل و الإمكانيات المتاحة .
لم يعد من خيارات وحلول ممكنة الآن , هذا هو واقع الحال , الشعوب ما زال وعيها في مرحلة متدنية جدا من القدرة على اخذ القرار الحاسم , و من يقرر في العالم هي الأنظمة السياسية المسيطرة على العالم , والشعوب ما زالت بمستوى وعي الرعايا , والتسليم بأن الشأن الخارجي ليس من شانهم , وهذا أمر يعرفه السياسيين ويقررون به , وتسير الأمور بطريقة مهزلة مضحكة بحيث يسير الركب في جهة بينما مصالح الشعوب في الجهة المعاكسة في المسير لما يقودها إليه النظام السياسي .
العالم الجديد بداء التأسيس له منذ زمن بعيد , هي حصيلة تطورات ومسار عالمي سلكته الأمم في مسارها , وألان نحن أمام وضع مفصلي سينقل العالم إلى مرحلة جديدة نوعيا نرجوا أن نخرج منها بأقل الأضرار الممكنة .
ابرز أسباب الأزمة
1 طبيعة النظام الليبرالي الجديد المتوحش والمتخلف الذي يريد فرض نفسه على الشعوب والثقافات , في الوقت الذي هو نظام متخلف ومتعفن وتنخره الديدان من الداخل , وغير قادر على إصلاح نفسه أصلا , والعناوين واضحة لا تحتاج إلى شرح .
2 تغير العالم وتحول القوى إلى مستوى مختلف كليا عن القرن الماضي .
3 قدم القوانين الدولية وعدم تناسبها مع الواقع الجديد والتغيرات , ومر أكثر من 80 عام على الكثير من القوانين الدولية .
4 تطور التكنولوجيا والحداثة , والقفزات النوعية العلمية التقنية في التواصل وغيره , في الوقت الذي بقيت فيه القوانين والعلاقات القديمة كما هي علية ولم يجر عليها أي تغير , بل وبقيت جميع العلاقات الإنتاجية والنظم والاتفاقيات والصيغ كما هي عليه منذ عدة عقود .
5 عدم تسليم النظام القديم عن فكرة عالم القطب الواحد , واعتقاده المتواصل بأنه هو من يقرر حياة البشرية على كوكب الأرض , بل ويمتلكها ويحدد ما هو مطلوب منها وكيف عليها أن تسير وتعيش .
اكبر مخاطر هذه الأزمة العاصفة ,
مخاطر الحروب جميعها ومستحقاتها ,
نسيان موضوع البيئة والمناخ و الانشغال بالحرب
تغير أولويات الكفاح العالمي , و إعاقة التنمية المستدامة والانفتاح بين الشعوب وبناء الثقة والشراكة العالمية و التآخي بدل الحروب والصراع , هذا المشروع بكامله سيتلقى ضربة موجعة ستعيق تقدمه وانتشاره لأعوام كثر قادمة .
هذا مسار متوقع لهذه الأزمة التي تمر بها البشرية والتي وصلت إلى طريق مسدود بالطرق السلمية , والموضوع مصيري للجميع , ولا من خيار أمام جميع الإيديولوجيات العالمية الأساسية والإنسانية بكل إشكالها الثورية والطبقية والعرقية سوى التحالف ضد العدو المشترك الذي أصبح يهدد وجود البشرية جمعاء والحياة بكاملها على كوكب الأرض .
أن السعي نحو مجتمع السلم لن يكون بدون تضحيات ولن يأتي على طبق ذهبي , ولن يسلم أي نظام متغطرس ومسيطر بهزيمته , بل كلما اقترب من الانهيار يزداد وحشية وخطر وغطرسة عمياء تفقده صوابه والقدرة على التمييز بين الوقائع و الأحداث والقدرة على فهمها بعمق وتفسيرها والتعاطي معها بعقلانية مما يجعله ينهار بقسوة مروعة في النهاية .
من النظرة الأولى لطبيعة التحالفات العالمية نرى أنها قد تجاوزت الأيديولوجيا بالكامل , والدليل طبيعة التحالف الثلاثي الصيني الروسي الإيراني , فكل دولة من هذه الدول الثلاث تحمل إيديولوجيا مختلفة جوهريا عن الأخرى , ولكنها قد استوعبت الدرس من خلال التجربة أولا وبسبب المصالح المشتركة بينها بعد أن أصبح الموضوع مصيري وحاسم ولا خيارات فيه .
على الجميع اليوم استيعاب الدروس من الماضي والسير في ركب المستقبل وفهم طبيعة الصراع الحالية , وترك المفاهيم الأيديولوجية الضيقة المحدودة وفهم عمق التناقض والصراعات وموازين القوى الحقيقية والتحالف على أساس المستقبل البعيد الذي يصب في مصلحة الشعوب والسلم العالمي والتقدم والحضارة الإنسانية الحق
سديم