العالم إلى أين , (الحلقة 10 )
رماز الأعرج
يمر العالم البشري في مرحلة صعبة من تاريخه و مسار وجوده , ويتشكل هذا العالم من مجموعة من الثقافات والحضارات , بعضها مسيطر والبعض الآخر مجرد تابع وخاضع , وهذا الطرف القوي المسيطر ينقسم إلى قسمين أيضا قسم قديم متعصب يرفض وجود المختلف , ويسعى لتوحيد العالم تحت ملكية الرجل الواحد والهيمنة الواحدة والعملة الواحدة والمسيطرة , والبقية خاضعة , وكل من يخالف يقتل او بنبذ و يستهان به ويهزأ ويقاطع .
وطرف آخر من الدوال الفتية التي لم يمر على أنظمتها في معظمها أكثر من الأربعة عقود خلت , ويمتاز هذا الطرف القوي الجديد في العالم بتعددية فكرية و أيديولوجية وسياسية ودينية , ولكنها جميعها متفقة على مبدأ التعاون والشراكة ونبذ العنف وقبول الآخر المختلف , بل وبعضها يعلن معاداته الواضحة للنظام الرأسمالي التقليدي , ويقدم رؤية جديدة للنظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي , وبغض النظر عن الاسم وطبيعة النظم استطاعة بعض الدول أن تحقق تقدم كبير وخيالي في فترات قصيرة رغم حصارها من قبل الطرف المعادي المعروف .
في النهاية نقيم الأمور بحسب مساراتها ونتائجها المباشرة والتاريخية وليس بحسب أسمائها المجردة أو التضليل.
وفي فلك كل مجرة من هذين المجرتين الأرضية المتصارعة هناك عدد من الأفلاك والدول التي تسير في مدار فلكها , أي أن كل طرف من طرفين العالم الكبرى يشمل في محتواه مجموعة من الدول الصغيرة المتعددة القوة و الأبعاد الثقافات ولكنها جميعها تدور في احد أطراف القطبين القديم والجديد , وتحمل تنوع ديني وفكري متنوع , ولكنها سياسيا تابعة بالكامل للطرف التي تسير في مساره الفلكي العالمي الحالي الاقتصادي والسياسي.
تعاني البشرية المعاصرة من هزيمة نكراء لكل الفكر السياسي القديم , وخاصة الاستعماري والمتعصب والمتطرف منه , والذي يكيل بعدة مكايل متنوعة بحسب المصالح المباشرة له , بما في ذلك المؤسسات الدولية , وهذه المؤسسات المترهلة المريضة لم تعد قادرة على التعبير حتى عن نفسها بشكل محايد بل هي أداة كاملة وواضحة لصاحب السيطرة عليها وتشكيلها .
وخلال الفترة الماضية عاشت البشرية مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية في مسار تراوح بين المد والجزر , وظهرت الكثير من الأفكار والأيديولوجيات التي حاولت البحث عن ما هو المطلوب للمجتمع البشري الآن ومساره , وتعددت التجارب منها ما فشل ومنها ما نجح وما زال قائما وفتيا .
ولكن بقايا الفشل الذي لحق بالأنظمة السياسية السابقة القديمة بكل ألوانها أدى إلى صراع مرير فكري و أيديولوجي , وهذا طبيعي وخاصة بعد مرور المجتمع بأزمات صاعقة كلفته الكثير من الخسائر الفادحة , وفي أوروبا مثلا تفكك النظام القديم وانهارت سلطة الكنيسة ولم يبقى سوى النظام السياسي ضابط للحياة بشكل عام , والقانون , وهنا حل القانون بشكل عملي مباشر مكان الدين , و أصبح القانون هو الأهم , ولا من أهمية للدين .
لكن القانون لوحده جاف وبارد كما الحديد في الصقيع , ولا يحمل في طياته أي شعور آنساني أو قيمي , وعليه فقط أن يساوي الناس أمامه وأن ويجتهد طوال الوقت في ذلك , القانون لا روح له , والسياسة العالمية التي سادة خلال الأربعة عقود السابقة والتي ما زلنا نعيش أواخرها كانت مرحلة لا أخلاقية وهذا مثبت بالسلوك الذي تسلكه السياسة الدولية المسطرة سياسة القطب الواحد وتعدد المعاير للقضية الواحدة .
هذا بدوره ترك فراغ اجتماعي هائل , وغيب الأهداف والاستراتيجيات العلمية المتوازنة لمسار المجتمع وقيمه ومسار تطوره وتوضيح العلاقة بين الفرد والجماعة , هذا تحديدا ما أصبح غائب وما زال في الكثير من المجتمعات حول العالم وفقدان القيم والفكر الإنساني والديني وغيره .
أدت هذه الأزمة إلى ظهور الكثير من الأفكار و الجماعات المتطرفة والغير عقلانية أيضا, وانهارت اليوم جميع القيم السياسية والإنسانية القديمة للمجتمع المدعي الديمقراطية والحرية , ونظام اليبرالية الجديدة المعاصرة .
أمام هذا الانهيار أصبح من الواضح أن العالم يمر بمرحلة انتقال فكري وثقافي وأخلاقي , بين قيم الماضي الذي عاش عليها الكثيرين من الجيل الماضي فوق الأربعين والأجيال الشابة التي لا يعنيها ما كان يعني الأجيال السالفة و يهم ها حاضرها المباشر المادي وتحسين مستوى حياتها وحسب , وبدون أي رؤية او حتى تفكير من ما هو ابعد من ذلك , أي مجتمع مجهل مفرط في الحرية الفردية والخروج عن المألوف وغياب أي توجه أو رؤية مستقبلية للعالم او للبلاد أو للواقع السياسي , فكر استهلاكي بامتياز وفارغ من أي محتوى عميق.
وهنا تتحول الشعوب إلى مجرد قطعان يحكمها جزارين وتجار يتصرفون بها على هواهم ويوجهونها بحسب مصالحهم المباشرة , ويستخدمون في ذلك كل الإمكانيات المتاحة لتصنيع وعيها التحكم به بحسب الحاجة المرحلة , ويصبح لدينا كم هائل من الناس الساذجين والبسطاء , رغم أنهم بارعين جدا في واختصاصهم أي كان نوعه , ما عدى السياسة والرؤية الإستراتيجية البعيدة المدى أو حتى المتوسطة.
حين يصل الإنسان إلى مستوى عالي من التصنيع وتكون ثقافته الفردية محدودة يصبح بسيط لدرجة السذاجة وعدم القدرة على رؤية الحقائق كما هي عليه , وذلك بحكم الفراغ الفكري والذي وضع فيه وطبيعة التربية والنشأة وما يمكنه الحصول عليه من معلومات وطبيعتها الموجهة والمدروسة من أجل تجهيله.
هذا هو الحاصل في أوروبا وغيرها من المجتمعات , ولهذا عادة النازية للظهور من جديد وغيرها من الأفكار المتخلفة العنصرية , والتي لقيت صداها و وجدة لها وجه آخر في المجتمعات الأخرى بكل تلونها وتنوعها .
وفي المنطقة العربية والدول الإسلامية مثلا ظهرت التيارات والمليشيات المسلحة المتطرفة المرتزقة التي دعمها الاستعمار و أصحاب مشاريع الحروب والتجارة بها , و عملت لصالح المستعمر في جميع الأحوال والظروف , وتحت غطاء ديني مزعوم لا ينطلي سوى على الساذجين من الناس التي صنع وعيها خصيصا لكي ينطلي عليها مثل هذه الأكاذيب الكبرى .
رماز
24/3/2022