قصه بيت الشعر / علمته الرمايه طفلا فلما اشتد ساعده رماني...
الملك المحارب مالك بن فهم ومعركة سلوت ..
مالك بن فهم الملك المنسي في كتب التاريخ .. صاحب مقولة :
( علمته الرماية طفلاً فلما اشتد ساعده رماني )
بعد انهيار سد مأرب في اليمن انتشرت القبائل العربية في الأرض و حكمت تلك القبائل في المنطقة .. فعائلة منهم حكمت في العراق و عائلة في الشام وعائلة حكمت في عُمان ( سلطنة عُمان ) .. و القصة تدور حول هذه العائلة التي توجهت الى عُمان .. وهي عائلة مالك ابن فهم الدوسي ابن زهران ابن كعب الأسدي ..
عندما هُدم سد مأرب العظيم في اليمن توجهت عائلة مالك بن فهم للعيش في جبل السراه قرب الحجاز .. فحدث في يوم من الأيام أن إختلف مالك بن فهم مع أولاد أخيه .. وسبب الخلاف كان بأن أولاد أخيه قتلوا كلب جارهم .. فغضب منهم مالك بن فهم وقال لهم سوف أرحل بعيداً عنكم الى أرض لا يؤذى فيها جار مالك !!! ( انظروا الى مكانة الجار عند العرب قديماً ) !!! فرحل من الجبل الى جهة السواحل الشرقية مع قومه و أولاده ..
فإستقر بهم الترحال في مدينة يقال لها مزون .. و مزون هي سلطنة عُمان اليوم .. والتي أسماها مالك بن فهم عُمان الأُسد على اسم وادي كان لهم في اليمن ..
نزل مالك و قومه الأُسد في مدينة مزون .. و مزون كان يحكمها الفُرس .. وحاكمها الفارسي كان اسمه مورزبان تابع كسرى .. فبعث مالك بن فهم رسالة الى حاكم الفرس مورزبان يخبره فيها أننا لا نريد غير مشاركتكم الماء والكلاء .. اي فقط نريد مراعي لمواشينا و الماء .. فرفض حاكم الفرس هذا الطلب و أشار عليه المجلس العسكري بطرد هؤلاء العرب من هذه الأرض الخصبه و إعادتهم الى الصحراء .. فعاد مالك بن فهم وبعث للفرس رسالة ثانية يقول لهم فيها نحن فقط نريد ان ترعى مواشينا كي لا نموت من الجوع ولا نطلب حكم هذه البلاد .. فضحك المورزبان و كرر رفضه و امهلهم للخروج من الأرض وإلا ذبحهم .. فأرسل له مالك بن فهم رساله ثالثه وقال للمورزبان رفضت السلام مرتين وهذه المرة فنحن نطلب حكم هذه الأرض ونمهلك أنت وجيشك بالمغادره !!!
استغرب المورزبان وجيشه من هذه الرسالة الجريئه .. فمن هؤلاء العرب أمام إمبراطورية الفرس !!!
فأعلن المورزبان الحرب على هذه القبيلة العربية الوافده الى أرضه ..
فجهز مالك فرسان قبيلته من بني أسد وكان عددهم من ستة الى ثمانية آلاف فارس فقط في مقابل خمسين الى ستين ألف جندي فارسي من خيرة جنود و عساكر بلاد فارس ..
كان لمالك ابن فهم أحد عشر ولداً من صناديد العرب .. منهم هانئه و سليمة و فراهيد و جذيمه المشهورين بفروسيتهم و شجاعتهم و بأسهم بين العرب ..
اختار مالك إثنان من أبنائه لقيادة الفرسان وهم هانئه و فراهيد وجعلهم في الميمنة و الميسرة و هو كان في القلب ..
وجعل ولده هانئه يقود ألفين فارس خيال من أشد فرسان بني أسد بأساً .. و جعلهم أصحاب الضربه الأولى في الحرب ..
جمع مالك بن فهم فرسان بني أسد وخطب فيهم خطبه حماسية قال فيها : إن انتصر عليكم هؤلاء العجم أخذوا ماشيتكم و سبوا نساءكم ولن يبقوا لكم حجراً في هذه الأرض .. أما أنتم فأنتم أحفاد أسد .. أحفاد سبأ .. فإكنسوا العجم عن هذه الأرض بسيوفكم اليمنيه ..
بدأت المعركة و بدأت الضربة الأولى بيد ولده هانئه و فرسانه وبدأ الضرب الشديد بجنود الفرس من يمين جيشهم .. وانقض ولده فراهيد بفرسانه على ميسرة الجيش الفارسي وأمعن فيهم قتلاً .. وهجم عليهم مالك وأبنائه سليمة و جذيمه و الآخرين من الوسط .. فكانوا ثمانية آلاف فارس أسدي ينقضون كما ينقض قطيع من الأسود على قطيع من الجواميس !!! .. فقد اتبع مالك في المعركة تكتيك الأسود في الصيد وهو إيقاع الرعب في الجيش المقابل من الضربة الأولى ..
انتهت الضربة الأولى بخسائر فادحه للجيش الفارسي و انتهى اليوم الأول من الحرب وبدأ اليوم الثاني .. كان مالك بن فهم يرتدي خوذه عليها عمامة صفراء ليكون مميز في المعركة كقائد الفرسان .. في تحدي للفرس بأني انا القائد تعالوا اليّ .. و انتهى اليوم الثاني بإبادة نصف الجيش الفارسي .. وفي اليوم الثالث خرج لجيش مالك أربعة من أقوى جنود الفرس يدعونه للمبارزة .. وكان كل فارسي منهم لديه قوة مائة رجل .. وقال المورزبان لمالك إن قتلتهم ندعك ترعى ماشيتك في الأرض .. وإن قتلوك يعود فرسانك الى الصحراء .. فوافق مالك وخرج لهم للمبارزة ..
قتل مالك الفارسي الأول و الثاني و الثالث .. والثالث الذي قتله سبب رعب شديد للجيش الفارسي .. فقد كان يرتدي درع حديدي ثقيل و سميك .. فرضربه مالك ضربة قوية بسيفه جعلت درعه يختلط بدمه و مخه .. أمام هذه الضربة هرب الفارسي الرابع و إحتمى داخل صفوف جيشه .. وهجم فرسان الأُسد على جيش فارس وأمعنوا فيهم قتلا ولم يفكهم من أنيابهم و سيوفهم إلا انتهاء اليوم الثالث و حلول الليل ..
شعر المورزوبان بالغضب الشديد لهذه الإهانة التي تعرض لها جيشه .. وقرر انه لن يغسل هذه الإهانة إلا قتل مالك .. وفي اليوم الرابع خرج المورزوبان حاكم الفرس بنفسه لمبارزة مالك على ضهر فيل عظيم أبيض .. ركب المورزوبان فيله الأبيض العظيم وخرج لمبارزة مالك .. فسدد مالك رمحه الى عين الفيل العظيم وقتله وطاح المورزوبان أرضا .. فقتل مالك مورزوبان بلاد فارس ..
وعندما شاهد جنود الفرس حاكمهم وقد مات فروا و هربوا من أرض المعركة بإتجاه حصنهم .. وبهذا انتهت معركة سلوت التي هي أقدم من معركة ذي قار بكثير .. فحكم مالك تلك الأرض التي اسمها اليوم سلطنة عُمان .. وأعطى مالك جنود الفرس الفارين مهلة و هدنه لكي يركبوا سفنهم ويرجعوا بحرأ الى بلاد فارس .. فوافق جنود الفرس على المهلة و الهدنه لكي يعودوا الى بلادهم لكنهم كانوا يخططون للغدر و الخيانه .. فقد أرسل الجنود لملكهم كسرى رسالة يخبروه فيها بما جرى و يطلبون أن يرسل لهم المدد .. فسلطنة عُمان كانت جزءاً من أراضي إمبراطورية فارس ولن يتنازلوا عنها .. فأرسل كسرى سفنه فوراً وعلى متنها ثلاثين ألف جندي لمساعدة جنوده المحاصرين ليطردوا العرب من تلك الأرض .. فعلم مالك بالأمر وأرسل لهم بأن الهدنه على وشك الإنتهاء وانتم لم تخرجوا من الأرض بعد وأنا أعرف انكم تنتظرون أمداد الأكاسره من وراءكم .. لكن ان إنتهت المدة وأنتم لا زلتم موجودين قتلتكم جميعا و سبيت نساءكم و أخذت أموالكم و انتظرت المدد القادم اليكم من البحر وقتلته أيضاً .. فلم يستمع الفرس لتهديد مالك ..
انتهت الهدنه وجاءت الإمدادات للفرس و بدأت المعركة من جديد ..
قتل مالك جنود الفرس المتحصننين في القلعة و أسر عدد كبير منهم وخرج الى الشاطيء ليقاتل الإمدادات القادمه اليه فكان كل جندي فارسي ينزل من السفينه ويضع قدمه على الشاطيء يقتله مالك ..
والأسرى الفرس مكثوا فترة في السجن عند مالك ثم أفرج عنهم و ركبهم في البحر و أرجعهم الى بلادهم كرسالة سلام من مالك الى كسرى .. لكن كسرى قرر الإنتقام فأرسل جيشه مجدداً .. فهزمه مالك مجدداً ولم يكتفي بهذا بل تبعهم الى البحر و احتل أراضي واسعة من أرض فارس و أسس أول الممالك العربية وعرفت في التاريخ بإسم المملكة ( التنوخية )
و أستتب الأمر بين مالك و الفرس وحكم مالك بن فهم مملكته الجديدة في مزون ( سلطنة عُمان ) لمدة سبعين عاماً .. حكم مالك عُمان هو و أبناءه الأحد عشر ..
لم يكن لمالك حرس شخصي كباقي الملوك .. فهو كان لديه أحد عشر فارساً من أولاده .. وكلف كل إبن من أبناءه بحراسته ليلة .. فكانت حراسته الشخصية موكله لأولاده ..
فكان كل ليلة يحرسه واحد من أبناءه .. وأصغرهم كان اسمه ( سليمة ) وكان مالك يحب سليمة جدأ و يقربه اليه اكثر من باقي أولاده .. فكان يعلمه الفروسية و الشعر و الصيد و السياسة و كيف تدار أمور الحكم .. وهذا الأمر أدخل الحسد الى قلوب إخوانه .. فأصبح اخوان سليمة العشرة يحسدونه و يكيدون له ..
ومن المعلوم ان الحسد كان هو السبب الأول في ضياع ممالك المناذرة اليمنيين وسقوطهم بسبب حسدهم لبعضهم ..
فالإخوان العشرة حسدوا أخوهم الصغير رقم أحد عشر لأن والدهم إستفرد به في المحبه .. فجاء الإخوان العشرة عند أبيهم مالك وقالوا له بأن أخينا سليمة الصغير مستهتر و أرعن ولا يصلح لحراستك فهو ينام يوم حراسته لك ونحن نخاف عليك من استهتاره .. فكذبهم مالك وقال لهم بأنه يستحيل أن ينام ابني في ليلة حراستي و لم يصدقهم .. لكنهم أدخلوا الشك في قلبه ..
فقرر مالك مراقبة ابنه الصغير سليمة في ليلة حراسته ليتأكد اذا كان باقي أولاده صادقون أم كاذبون ..
فخرج مالك من قصره متخفي .. وكان سليمة على حصانه فغفى و اغلق عينه من النعس .. وكان القوس في يده و السهم في القوس استعدادا لأي أمر طاريء ..
جاء مالك يمشي من بعيد في العتمه و الظلام .. وكان ابنه مالك ناعس و غافي على حصانه .. فإقترب مالك من سليمة لتأكد اذا كان ابنه فعلاً نائماً أم لا .. فالحصان شعر بمالك فجفل و صهل .. ومع صهيل الحصان صحى سليمة مرعوباً فسحب القوس وشد وتره ليسدد سهمه الى مصدر الصوت المقترب منه في العتمه و الظلام خلف أوراق الشجر .. سمع مالك شد وتر القوس .. فك سليمة وتر القوس فصاح مالك : لا يا سليمة فأنا أبوك مالك .. لكن سليمة كان قد فك السهم فصاح : لقد ملك السهم أمره يا أبي .. اي قد فات الأوان .. وعبارة ( لقد ملك السهم أمره ) أصبحت أشهر مثل عربي و أصلها يعود الى هذه الحادثه ..
ضرب السهم صدر والده مالك .. فسقط مالك .. فلحقه ولده سليمة وهو يصيح .. فاستيقض اخوته و الجند على صراخه .. ووجدوا مالك يحتضر .. فادخلوه للقصر و ووضعوه على فراشه و اجتمعوا من حوله .. فنظر مالك الى أولاده قبل أن يموت و نظر الى أخيهم سليمة و قال قصيدته الشهيرة قبل أن يموت و التي مطلعها :
( علمته الرماية طفلاً فلما إشتد ساعده رماني )
وأصبح بيت الشعر هذا اشهر مثل عند العرب ولا يزال يستخدم الى يومنا هذا وأصله يعود الى تلك الحادثه ..
منذ قديم الزمان .. منذ آلاف السنين و العرب تردد بيت الشعر الذي قاله مالك بن فهم قبل موته :
( علمته الرماية طفلاً فلما إشتد ساعده رماني )
مالك الذي سافربقبيلته الأسديين بعد انهيار سد مأرب في اليمن و حرر مزون من الفرس و أسماها عُمان وحكم سبعين سنة و عاش مائة و عشرون سنة وقتله ولده بالخطأ !!!