#قراءة_نقدية للقصيدة التي حصدت المركز الأول في مسابقة فارس الشعر العربي لعام 2025 المنصرم وهي قصيدة" أخت الشموس" للكاتب الراقي صلاح أمين.
بقلم الناقدة والمحلّلة: دلال جواد الأسدي
صلاح أمين
Dalal Alasadi
أخت الشموس
نص معنون برمزية للمعنى، ولا يحاكي المعنى المباشر، رمز لصلة القرابة للشموخ أو العلو والرفعة، والشموس ترمز للمكانة العالية والأخلاق السامية، الظاهرة للعلن دون غطاء.
⸻
المقدمة:
القصيدة مبنية بشكل متمركز ومحوري حول العمر وما يعمل فيه الإنسان وصولا لانعدام الصحة، ولكن في كل بيت أمثلة أضداد بين النفس الكادحة المجتهدة وبيان مقامها، وبين الأمثلة بالرمزيات التي تتراوح بين القوة والضعف والخيبة، والمراد منها توجيه القارئ للاختيار لا للفرض، مثل المعلم الأمين والناصح الصادق: ولك حرية الاختيار، ماذا تريد أن تكون؟
لكنها كلها تنطلق من خلاصة تجربة رصينة وحكمة بليغة.
⸻
تفكيك الأبيات من حيث البناء والتنظيم:
سافرت في شرق البلاد وغربها
أرتاد مرعى للفؤاد فسيحًا
…
أحلام عمر في السراب سبوحًا
ترتكز على تقديس النفس، ذكرتني بقول للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام:
“وتحسب أنك جرمًا صغيراً، وفيك انطوى العالم الأكبر”
وهنا اختصار لبيان قدسية النفس وبيان مكانة البشرية التي نستحقها فعلاً، ويجب أن يكون محور فكرنا وإصرارنا وجهدنا، منبعه ومصبه منه.
⸻
ضمير الذي يرافق الأبيات:
المتحدث الذي يسرد واقع النفس وما مر به من تجارب أدت لحطام النفس وبناء هذه القناعات التي أدلت به.
وصف الشاعر رحلة الحياة، والتي كانت تقبل على الروح بكل أمل ورحابة صدر، وتقول في كل بقاع الأرض استقبال القلب لكل ما يراه ويتعلم بروح مقبلة على الحياة، تزهر القلب والروح وترجو الخير بكل كيانها ووجدانها، ولكن ما اكتشف في هذه الرحلة جعل الروح تطارح الأسى في أركان روحها.
تشبيه العمر بالزهور، وبعد الكبر والتقين لما ذهب من العمر ولم يتحقق الحلم، إلا الذي كان متوقعا، وبهذا يرافق النفس شعور الخذلان، خذلان الروح لروحها والنفس لنفسها في فراغ غير متناه.
تحمل القصيدة:
رسالة وعي
بوحًا نفسيًّا عميقًا
أبرز ما أشار في هذه الأبيات تجسيد رحلة العمر على خارطة الأيام، من الروح العالية إلى التفاؤل، وأبرز ما أشار إليه خيانة عظيمة، لكن المؤسف أن الخيانة ليست من شخص، بل من الصحة وعجلة الزمن التي لا بد منها.
عندما يصل الإنسان إلى مرحلة من مراحل العمر بعد فقدان جزء من القوة والصحة، يدخل بعدها بتأنيب ضمير لنفسه، بعدم تمكنه من تحقيق أحلامه وطموحه، ندم عدم المقاومة وندم عدم بذل الجهد الأكبر.
هنا يبرز الشعور الإنساني بإحساس عال وروح مرهفة.
⸻
نفس تروم من العلاء سنامه
كالخيل يركض في السباق جموحا
…
لا ترتضي دون النجوم مكانة
وترى القعود على الحظوظ قبيحًا
هنا إبداع للكاتب المبدع صلاح أمين، بتكثيف الكلمات وتمحور الموضوع نحو هدف واحد، بجعل النفس وقودا لنفسها ومفتاح الأمل والتقدم.
يحاول الكاتب جعل القارئ في قلعة خاصة به، يحكم ويتحكم بها، ويجعل الأمل بين راحتي اليد، والأحلام تتحقق لا محال، والإصرار لا يغادرها.
التكثيف جاء بشحنات مشبعة ومدججة بالأمل.
أروع ما لفت الانتباه: تدليل النفس، نعم دلل النفس الكاتب بجعلها لا ترضى إلا بسمو، حتى لو فقط بفكرها ومخيلتها، لا ترتضي بمقام أقل من الرفعة والشموخ.
وكل هذا ليس فقط تخيلا ولا أضغاث أحلام، بل محمل بالسعي والإصرار والجهد.
⸻
الصورة التشبيهية:
التي تملأ القصيدة بكل جمال ورفعة، أعطتها قوة ومتانة في تقريب الصور، وجعل الحوار مع النفس بلغة خطابية تحفيزية مشجعة، تتناسب مع المواضع المطروحة فيها.
النفس مثل العاديات ضبيحة
والجسم مثل القاعدين كبوحًا
…
إن الذي يرجو الفلاح مدثرًا
مثل الذي يرجو الغراب منوحًا
⸻
الصور التشبيهية الأخاذة:
العاديات ضبيحة
ضي النجوم
لدينا بعض التشبيهات المراد منها تكريم النفس وجعلها تعرف قيمتها.
تشبيه النفس بالقوة والإصرار وتناص قرآني متحول، وليس صريحا جدا، لكنه أعطى مثلا قويا ورمزية يحتذى بها، بتشبيه يشد أزر النفس ويقويها.
والجسم الذي يحرك ويسعى، وهنا يستمر التشبيه وتعداد الأجزاء وجعل منظومة العمل والجهد بتوزيع المهام، وكل شيء يعرف مكانه وعمله.
⸻
الرمزيات المستخدمة:
الأرنب
النسر
الفرائس
الغراب
القائد
السيف
هنا استخدمت تقنية العزم والدعم والتشجيع عن طريق الرمزية بالأضداد، أي أخذ رمزية الشيء المرتبط بصفته المعروفة، فالأرنب يرمز إلى الجبن والهروب، والنسر إلى الحرية والطيران والقوة.
ومن هنا اتبع الكاتب صلاح آلية التشبيه، وكلها ترمي للتشجيع والدعم وبيان مفارقات ما بين الأضداد وما تؤدي إليه.
وبهذا رسم الكاتب لنا خارطة لما يجب العمل به، ولكن بالاختيار:
من يريد الرفعة والقوة وتحقيق الأهداف والأحلام، لها ثمن الجهد والتعب، ومن يريد الفشل والخذلان، ليس عليه سوى التقاعس وسلوك طريق الجبناء.
ولا يوجد طريق من غير أشواك، وكلها لها ثمن باهظ.
وبهذا جعلت القصيدة لنا ميزانا ذا كفتين، في استخدام المحسنات البديعية والرمزيات وعكسها على النفس وبيان آثار كل منها.
⸻
من جد حتما في الحياة موفق
وترى الكسول عن الفلاح نزوحا
…
شعري إليكم واضح وموضح
فأنا الصريح وأكره التلميحا
أطلقت هذه الأبيات التسعة الأخيرة كنصيحة أخيرة، يمكن تسميتها خلاصة الحكمة وخلاصة ما تقدم من حديث ومحاولة إيصال الرسالة للقارئ التي نجح فيها بكل قوة وجمال.
المعايير التي أطلقها الكاتب جاءت برسالة مباشرة وصريحة، منها:
العمل يجب الإخلاص به،
العلم أساس في العمل والنجاح،
التمسك بالانتماء الوطني والأرض وعدم التفريط بها،
التمسك الديني والأخلاق،
وجعلها رمزا يعرف به وطنه وبلده ويشار له بالبنان أنه ابن الأرض الذي نشأ منها.
جعل هذه النصائح من حكيم مجرب، وأب ووالد محب وصريح لأبنائه وأبناء بلده الذي يريد لهم الخير والفخر.
⸻
الخاتمة:
جاءت الخاتمة بأروع ما يكون، بقوله إن كلامه صريح وواضح ولا يميل للضبابية ولا للقول غير المستقيم، وهذا بحد ذاته درس أخلاقي عظيم لمن يتعظ، بجعل الصدق سيد كل شيء.
ما أروع هذه القصيدة التي جعلت المعيار الإنساني والأخلاقي والديني على قمم.
⸻
استخدام التكرار:
كانت القصيدة غنية بالتكرار التشبيهي والرمزي المختلف، ليس في المفردات بل في العمق الجوهري، لترسيخ الرسالة المراد منها، المنطلقة من نفس معلم ووالد حريص عندما يحدث أبناءه، وجعل الكاتب نفسه في مقام الوالد لأبناء بلده وقومه.
وبهذا كان حريصا بزخم الصور التشبيهية بصورها المختلفة ورمزياتها المختلفة، وكلها تصب في شيء واحد: بيان مفارقات العمل والكسل، الضعف والقوة.
⸻
اللغة:
كانت لغة موحدة البلاغة، مبسطة للفهم، تخدم النص بشكل كبير كرسالة توعوية تصل إلى روح وقلب القارئ قبل فهمه.
⸻
الخلاصة والرأي الخاص:
أتقدم بالشكر للكاتب صلاح لما قدمه من قصيدة وعظ ونصح رشيد تبث الوعي بين الشباب وللأجيال بشكل عام.
مزجت القصيدة بين العز والكرامة، وبين العمل الدؤوب والإصرار، وجملت الصورة التشبيهية والرمزية لبيان الضعف والجهل والكسل، وبيان مكانته وحصاده، وبين العمل والجهد وما يكون حصاده.
الأوزان والقوافي:
القصيدة على البحر الكامل العمودي، لها وزن ثابت وقافية وحرف روي.
يسود القصيدة صوت نصحي أعطاها إيقاعا شعريا وموسيقى راقية، مزجت الفن والثقافة والأدب والحكمة في مقطعية فنية تستحق القراءة والتحليل والخضوع تحت مجهر النقد.
شكرا لهذه الرحلة الراقية التي تحقق غاياتنا في الكتابة، وجعلها حمامة سلام
—————————————————
نص شعري عمودي
أُخْتُ الشُّمُوسِ
--------------
سَـافَرْتُ فِـي شَـرْقِ الْـبِلَادِ وَ غَـرْبِهَا
أَرْتَــــادُ مَــرْعًــى لِــلْـفُـؤَادِ فَـسِـيـحَا
يَــا قَـلْبُ عَـانِقْ كُـلَّ زَهْـرٍ فِـي الـرُّبَا
فَـوَجَدْتُ قَـلْبِي فِي الضُّلُوعِ جَرِيحَا
أَوَبَـعْـدَ شَـيْـبٍ قَــدْ أَطَـاحَ بِـزَهْوَتِي
وَأَحَالَ جِسْمِي فِي الْفِرَاشِ طَرِيحَا
وَسُـنُـونَ مَـرَّتْ قَـدْ أَضَـعْتُ بِـطَيِّهَا
أَحْــلَامَ عُـمْـرٍ فِـي الـسَّرَابِ سَـبُوحَا
نَــفْـسٌ تَــرُومُ مِــنَ الْـعَـلَاءِ سَـنَـامَهُ
كَـالْخَيْلِ يَرْكُضُ فِي السِّبَاقِ جَمُوحَا
تَـبْـنِي الـصُّـرُوحَ فَـتَـسْتَهِيمُ بِـنَشْوَةٍ
فَـتَـرُوحُ تَـبْـنِي بِـالـصُّرُوحِ صُـرُوحَـا
وَتَــنَــامُ تَــحْـلُـمُ بِـالـصَّـبَـاحِ لَأَنَّــهَـا
أُخْـتُ الـشُّمُوسِ وَضَـاءَةً وَ طُمُوحَا
لَا تَــرْتَـضِـي دُونَ الـنُّـجُـومِ مَـكَـانَـةً
وَتَـرَى الْقُعُودَ عَلَى الْحُظُوظِ قَبِيحَا
الـنَّـفْـسُ مِـثْـلُ الْـعَـادِيَاتِ ضَـبِـيحَةً
وَالْـجِـسْمُ مِـثْـلُ الْـقَـاعِدِينَ كَـبُوحَا
يَـا رَبِّ جِـسْمًا فِـي الـشَّدَائِدِ صَـابِرًا
وَأَرَاهُ يَــسْــعَـى لِــلْـعَـلَاءِ كَــدُوحَــا
الـنَّـفْسُ مِــنْ ضَــيِّ الـنُّجُومِ خَـلِيقَةٌ
وَالْـجِسْمُ يَـرْقُدُ فِـي التُّرَابِ رَدُوحَا
بَــــادِرْ مُـــرَادَكَ وَ انْـتَـزِعْـهُ مُـعَـانِـقًا
وَجْـــهَ الـسَّـمَـاءِ مُـغَـامِرًا وَ لَـحُـوحَا
تِـلْـكَ الْأَرَانِـبُ فِـي الْـجُحُورِ خَـبِيئَةٌ
وَالنَّسْرُ يَسْرَحُ فِي الْفَضَاءِ صَدُوحَا
يَـرْمِـي الْـفَـرَائِسَ لَا يَـهَـابُ فَـرِيسَةً
مَـلَـكَ الـسَّمَاءَ فَـلَا يَـخَافُ وُضُـوحَا
كَــمْ قَـائِـدٍ هَــزَمَ الْـجُـيُوشَ بِـسَيْفِهِ
وَتــرَى الـطِّعَانَ بِـجِسْمِهِ وَ جُـرُوحَا
وَيَـمُوتُ طَـرْحًا فِـي الْـفِرَاشِ كَـأَنَّهُ
مَــا كَــانَ يَـوْمًـا لِـلْـحُصُونِ فَـتَـوحَا
فَـلِـمَ الـتَّخَاذُلُ فِـي اقْـتِحَامِ مَـعَارِكٍ
قَــدْ صَـيَّرَتْ وَجْـهَ الـظَّلَامِ صَـبُوحَا
إِنَّ الَّـــذِي يَــرْجُـو الْــفَـلَاحَ مُــدَثَّـرًا
مِـثْـلُ الَّــذِي يَـرْجُو الْـغُرَابَ مَـنَوحَا
مَــنْ جَـدَّ حَـتْمًا فِـي الْـحَيَاةِ مُـوَفَّقٌ
وَ تَـرَى الْـكَسُولَ عَـنِ الْـفَلَاحِ نَزُوحَا
لَا شَــيْءَ غَـيْـرُ الْـعِـلْمِ يُـرْجَى نَـفْعُهُ
يُـنْـشِـي شَـبَـابًـا رَاشِــدًا وَ فَـصِـيحَا
إِنَّ الَّـــذِي شَــغَـلَ الـشَّـبَابَ بِـأَرْضِـنَا
مَــحْـضُ انْــحِـلَالٍ لِـلـشَّبَابِ أُبِـيـحَا
فَــتَـرَاهُ يَــرْقُـصُ كَـالـنِّـسَاءِ مُـخَـنَّثًا
فَـيَـنَـالُ أَوْسَــمَـةَ الْـعُـلُـومِ مَـدِيـحَـا
وَتَــلُـوكُ أَلْـسِـنَـةُ الْـمَـحَـافِلِ بِـاسْـمِهِ
فَـيَـصِـيـرُ فَــخْـرًا لِـلْـبِـلَادِ وَ رُوحَـــا
فَـتَرَى الـصَّغِيرَ عَـنِ الْـفَضَائِلِ عَازِفًا
وَ تَـــرَاهُ يَـجْـنَـحُ لِـلْـخَبِيثِ جُـنُـوحَا
مَـــا فَـــازَ يَــوْمًـا بِـالـسِّـلَاحِ عَـدُوُّنَـا
لَٰكِـــنَّـــهُ أَرْدَى الْـــخَـــلَاقَ ذَبِــيــحَـا
هَٰذِي نَــصَــائِـحُ وَالِــــدٍ وَ مُــجَــرِّبٍ
أُهْــــدِي إِلَــيْـكَ مُـعَـلِّـمًا وَ نَـصُـوحَـا
شِــعْـرِي إِلَـيْـكُمْ وَاضِــحٌ وَ مُـوَضِّـحٌ
فَــأَنَـا الـصَّـرِيـحُ وَ أَكْـــرَهُ الـتَّـلْمِيحَا